أفظع ما في ظاهرة "الذئاب المنفردة"، بل الإرهاب عموماً، أنّ "صنّاع الموت" ينتقون ضحاياهم بدقّة. يعرفون وجوههم وأصواتهم وبصمات أيديهم وأحلامهم. يختارون الناس الذين يُقال عنهم "أبرياء". الشياطين لا تقتل بعضها أصلاً، لذلك يبدو "منطقياً" ما يرتكبه أولئك المجرمون في شوارع أوروبا المكتّظة بـ"سلام".
يصعد أحمق إلى "فان" ويقوده بسرعة فائقة داهساً الناس في شارع "لاس رامبلاس" في برشلونة. خطّ الموت واضح، كوضوح الخوف في عيون الضحايا. إنه يعرفهم جيّداً... فليكن الموت إذاً عشوائياً وخاطفاً. هم، ناسٌ لم يظهروا من قبل على شاشات التلفاز، ولو أتيحت لهم هذه الفرصة من قبل، لما قبلوا بها! أو لربما اشترطوا الإطلالة على الشاشة من ملعب حيث يتابعون مباراة في لعبة كرة القدم. هم سيّاح ومقيمون وعابرو سبيل ومشرّدون واغنياء وفقراء وأطفال. هم ناسٌ ظنوّا أن ما يحدث في برلين ونيس ولندن وستوكهولم لا يمكن أن يتكرر في كاتالونيا، أو بالأحرى معهم تحديداً. لماذا؟! لا أحد يملك الإجابة عن هذا السؤال اللعين.
لا يزال الناس في أوروبا عاجزين عن تصديق أنّ مثل هذه الفظائع قد تحدث في أي لحظة وعلى أي تقاطع طريق أو رصيف. بعد أقلّ من 24 ساعة على الهجوم الإرهابي الذي نفذّته "ذئاب غير منفردة" في برشلونة، كانت منطقة توركو الفنلندية تُنحر وتنزف. أربعة اشخاص على الأقلّ (بحسب تصريحات الشرطة) ألقي القبض عليهم للاشتباه بضلوعهم في حادثة الطعن، علماً أن منفذ الهجوم يخضع للعلاج بعدما أصابته القوى الأمنية. قتيلان قضيا ذبحاً بالسكاكين وجُرح 6 آخرون، ولا تزال السلطات الفنلندية تؤكد أنّه من غير الواضح بعد ما إذا كانت حادثة الطعن عملية إرهابية أم لا. تنقل وسائل إعلاميّة عن شهود عيون تأكيدهم سماع المعتدي يصرخ "الله أكبر". ماذا فعل البغدادي ووحوشه بالإسلام؟! ماذا فعلوا بالله؟!
لن يبقى الأوروبيون غير المكترثين يوماً للسياسة ولأخبار الحروب في بلاد بالكاد يعرفون مواقعها، أبرياء. روّاد المقاهي والملاهي والحدائق العامة والملاعب والأندية الرياضية سيبدأون بالبحث عن كلّ من له ملامح عربية. في القطارات وسيارات الأجرة وواجهات المحلات، وفي مقرّات أعمالهم وشققهم السكنية ومدارس أطفالهم. لن يبقى الأوروبيون "أبرياء" يُسحقون بإطارات الشاحنات ويذبحون على غفلة من طمأنينة. سيطاردون العرب. سيدفعون بأحزابهم المتطرّفة إلى الواجهة.
العنف يوّلد عنفاً. باتت هذه المقولة "تحصيلاً حاصلاً". إذاً، ماذا لو قُضي على الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر وسائر الدول النازفة؟ هل ينسحب ذلك أيضاً على الذئاب المنتشرة في دول الغرب؟!
سؤالان أحمقان، يُفضّل عدم طرحهما من أصله، أقلّه في الوقت الراهن. "أرض الخلافة" لا تسقط إذا قتل البغدادي أو رُميت جثة بن لادن في المحيط. إنها باقية بإرهابها حتى تفتيت آخر حجر في المنطقة. منطقةٌ ذات حدود جديدة تروق لـ"صنّاع الموت" وصنّاع "صناع الموت" القاطنين خلف البحار، أو تماماً هنا، على بعد كيلومترات قليلة من برك النار والدم. العذاب طويل، وهناك في أوروبا سيكون أقسى. ليس التشاؤم سيّد الموقف، بل إنه واقعٌ خبيث يقول بأن العالم لم يتخلّص بعد، في القرن الواحد والعشرين، من مجانين يجلسون على كراسي الحكم، في كلّ اصقاع العالم، يتعاطفون مع الضحايا الأبرياء المدهوسين والمطعونين، فيما يشربون في الوقت عينه أنخاب إبادات جماعية تُرتكبها ذئاب "بالجملة أو المفرق" يجمعها لقب الإرهاب!