بغضّ النظر عمّا إذا كانت الاتّهامات التي وجَّهتها الولايات المتّحدة الأميركيّة لروسيا بشأن تدخُّلها المزعوم لصالح حملة الرئيس دونالد ترامب الانتخابيّة العام الماضي حقيقيّةً أم ملفَّقةً، فإنّ ما بات واضحًا في هذه الأيّام هو أنّ القيادة السياسيّة في موسكو عقدت العزم على مواجهة تلك الاتّهامات والمزاعم عن طريق الارتكاز على مبدأ معاملة واشنطن بالمثل، وخصوصًا بعدما كشفت المتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا النقاب نهار أمس السبت عن أنّ الإدارة الأميركيّة سبق وأن قدَّمت دعمًا ماليًّا بقيمةِ خمسمئةِ مليونِ دولارٍ لصالح "مرشَّحٍ معيَّنٍ" في الانتخابات الرئاسيّة الروسيّة عام 1996، بمعنى أنّها تدخَّلت بشكلٍ مباشِرٍ في تلك الانتخابات، وذلك في سياقِ خطوةٍ بدت وكأنّها استهدفت في حينه ترسيخ مفاهيم ما كان يُعرف بـ "وصاية الأخ الأكبر على الأخ الأصغر" التي ضبطت إيقاع العلاقات ما بين البيت الأبيض وما بين قصر الكرملين خلال السنوات التسع الأولى التي تلت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ (1991 – 2000)، وتحديدًا أثناء فترة حكم كلٍّ من الرئيسين بيل كلينتون وبوريس يلتسين.
زاخاروفا التي تطرَّقت إلى هذه المسألة في معرض إجابتها عن أسئلة صحافيّين غربيّين بخصوص فرضيّة "تأثير الكرملين" على نتائج الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة عام 2016، وإنْ كانت قد تفادت تحديد هويّة "المرشَّح المعيَّن" المذكور، ولكنّ تلميحها إلى أنّ نتائج التحقيق الجاري حاليًّا حول هذه الواقعة ستصدر لاحقًا في بيانٍ رسميٍّ مرفَقةً بكافّة الأسماء والتفاصيل، حمل في طيّاته ما يكفي من الدلالات للتأكيد على أنّ روسيا عازمةٌ بالفعل على تحديد أُطُر علاقاتها المستقبليّة مع الولايات المتّحدة على قاعدة "الندّ للندّ"، حتّى ولو اضطرَّها الأمر إلى فتح ملفّاتٍ قديمةٍ يعود تاريخها إلى أكثر من عشرين عامًا من الزمان، ولا سيّما إذا وضعنا في الحسبان أنّ تزامُن تقديم مبلغ الخمسمئة مليون دولارٍ من جهةٍ، مع تكبُّد الروس أوّلِ هزيمةٍ عسكريّةٍ في تاريخهم خلال مرحلة ما بعد الحقبة السوفييتيّة وفقًا لما آلت إليه نتائج حرب الشيشان الأولى (1994 – 1996) من جهةٍ أخرى، يمكن أن يقود بكلِّ سهولةٍ إلى معرفة حجم الدور الحقيقيّ الذي لعبه الأميركيّون في إشعال هذه الحرب.
وفي هذا السياق، ولكي تتّضح الصورة أكثر، لا بدّ من العودة هنا إلى الموقف الشهير الذي كان الرئيس بيل كلينتون قد عبّر عنه بتاريخ الثالث من شهر تشرين الأوّل عام 1993 عندما قال بالفم الملآن "إنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة تعتبر أنّ الرئيس بوريس يلتسين هو الرجل الوحيد الذي يمثِّل الديمقراطيّة في روسيا"، وذلك على رغم أنّ الرئيس يلتسين كان قد أمر قوّاته العسكريّة في اليوم نفسه بقصف مبنى البرلمان الاتّحاديّ في وسط موسكو، أيْ مقرّ الديمقراطيّة، أملًا في أن تؤدّي هذه الخطوة إلى إنهاء حركة الاعتصام الشهيرة التي نُظِّمت داخل المبنى بمشاركةِ عددٍ من النوّاب الذين وصِفوا في حينه بـ "المتشدِّدين الروس"، بمن فيهم رئيس "مجلس السوفييت الأعلى" الشيشانيّ الأصل روسلان حسبولاتوف، احتجاجًا على سياسة الإصلاحات الاقتصاديّة ذات التوجُّهات الأميركيّة التي تبنّاها الرئيس يلتسين على حساب سياسات المعتصمين الداعية إلى اعتماد النموذج الأوروبيّ أو الإسكندنافيّ للانتقال من الاشتراكيّة إلى الرأسماليّة، بما يضمن الحيلولة دون استنزاف مقوِّمات الاقتصاد الروسيّ.
وإذا كان الرئيس يلتسين قد تمكَّن في نهاية المطاف من إخماد حركة الاعتصامات بمدفعيّة الدبّابات التي أمطرت مبنى البرلمان بمختلف أنواع القذائف، مشرِّعًا بذلك باب الاقتصاد الروسيّ أمام كافّة أشكال الفساد تحت شعار الخصخصة على الطريقة الأميركيّة، فإنّ عامًا واحدًا لم يكد يمرّ حتّى بدأت عمليّة استنزاف المؤسّسة العسكريّة الروسيّة في حرب الشيشان الأولى، وهي الحرب التي لم يكن ليُقدَّر لها أن تندلع في الأصل لو أنّ روسلان حسبولاتوف كان لا يزال يمارس صلاحيّاته على رأس الهيئة التشريعيّة في موسكو، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّه لم يحدُث وأن ارتبط يومًا بالقيادات الانفصاليّة الشيشانيّة المموَّلة من المخابرات المركزيّة الأميركيّة بأيّ صلةٍ بالطبع.
على هذا الأساس، ولطالما أنّ الرئيس يلتسين خرج مهزومًا من تلك الحرب، يُصبح في الإمكان التوصُّل بسهولةٍ إلى استنتاجٍ مؤدّاه أنّ الولايات المتّحدة أرادت إمّا دعمه بمبلغ الخمسمئة مليون دولارٍ في انتخابات عام 1996 وإمّا إحراق أوراقه عن طريق دعم مرشَّحٍ آخرَ، علمًا أنّ ما حصل في المحصّلة النهائيّة هو أنّ الرئيس يلتسين تمكَّن من الفوز بولايةٍ رئاسيّةٍ ثانيةٍ، وهي الولاية التي انتهت باستقالته وقيامه بتسليم مقاليد الحكم لفلاديمير بوتين بصفةِ رئيسٍ بالإنابة ليلة رأس السنة (1999 – 2000)، قبل أن يتمكَّن الرئيس بوتين لاحقًا من تحقيق فوزه في دورة الانتخابات التي أُجريت بعد ثلاثةِ أشهرٍ من دخوله إلى قصر الكرملين، وبالتالي من تسجيل انتصاره المعروف أثناء حرب الشيشان الثانية (1999 – 2001).
من هنا، كان لا بدّ للمتحدّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة من أن تؤكِّد على أنّ ذاكرة الأميركيّين مصابةٌ بالخلل، وخصوصًا عندما أشارت إلى أنّهم نسوا أنّ مجلس الاحتياطيّ الفيديراليّ أرسل أكياسًا مليئةً بالأوراق النقديّة إلى سفارة الولايات المتّحدة في موسكو، موضِحةً أنّ عملاء وكالة المخابرات المركزيّة قاموا بتسليم تلك الأموال التي بلغت قيمتها خمسمئة مليون دولارٍ إلى أشخاصٍ محدَّدين لتأمين الدعم الماليّ لمرشَّحٍ معيَّنٍ اختارته واشنطن لكي يشغل منصب رئيس روسيا.
وفي انتظار معرفة نتائج التحقيق الجاري حاليًّا حول هذه القضيّة الهامّة، وعلى رغم أنّ السؤال الذي يطرح نفسه في الموازاة يتعلَّق بما إذا كانت روسيا ستكتفي بفتح هذا الملفّ وحده يا ترى أم إنّها ستعمل على فتح ملفّاتٍ أخرى ذاتِ صلةٍ بفضائحَ أميركيّةٍ مماثلةٍ، فإنّ ما يبدو واضحًا هو أنّ ثمّة فصلًا جديدًا من فصول لعبة الكرّ والفرّ الاستخباراتيّة بين موسكو وواشنطن قد بدأ للتوّ.. وأغلب الظنّ أنّ الروس متفوِّقون إلى حدٍّ كبيرٍ على الأميركيّين في هذا المجال، وإنّ بعض الظنّ في الحالة الروسيّة – الأميركيّة الراهنة اسمًا هذه المرّة.. وليس إثم!