ليس من باب المبالغة القول إنّ فجرًا لبنانيًّا جديدًا بكلّ ما تحمله الكلمة من دلالاتٍ ومعاني أوشك على الانبثاق في غضون الساعات القليلة المقبلة من فضاءاتِ ما تبشِّر به معركة "فجر الجرود" من مواسمَ وطنيّةٍ واعدةٍ وشهيّةٍ، ولا سيّما بعدما أصبح في حكم المؤكَّد أنّ النتائج الميدانيّة المتوقَّعة للمرحلة الثالثة من هذه المعركة التي بدأها الجيش أمس الثلاثاء، قياسًا بما تحقَّق خلال المرحلتين الأولى والثانية، لا بدّ من أن تعني في نهاية المطاف، وبما لا يترك أيّ مجالٍ للشكّ، أنّ زمان العبث الداعشيّ بأمن المناطق اللبنانيّة الواقعة عند تخوم الحدود مع سوريا انتهى إلى غير رجعةٍ، تمامًا مثلما لا بدّ من أن تُضيف بالتالي إلى صدر المؤسّسة العسكريّة وسامَ استحقاقٍ مشرِّفًا جديدًا على خلفيّة تمايزها اللافت وتفوُّقها الواضح في مجال الحرب على الإرهاب.
وإذا كان اثنان من اللبنانيّين لا يمكن أن يختلفا في الوقت الراهن على البديهيّة القائلة بأنّ الإعلان النهائيّ عن النصر الأكيد في معركة "فجر الجرود" بات أمرًا واقعًا وحتميًّا وغيرَ قابلٍ للجدل، فإنّ الحديث الدائر حاليًّا في بعض الأروقة السياسيّة المحلّيّة عن أنّ لبنان خلال مرحلة ما بعد هذه المعركة لن يبقى كما كان قبلها، لا بدّ من أن يفتح في موازة سير العمليّات العسكريّة نافذةً للتأمُّل في الدور الذي يُفترض أن يؤدّى كاملًا على المستوييْن الرسميّ والشعبيّ من أجل توفير شروط تحويل مفاعيل الانتصار المرتقَب على جبهات جرود رأس بعلبك والقاع إلى الساحة الداخليّة، بما يضمن إنجاح الخطوات المتبقِّية أمام الأجهزة الأمنيّة لتفكيك الشبكات والخلايا الإرهابيّة الصاحية والنائمة في أماكنَ مختلفةٍ من أرض الوطن، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الشبكات والخلايا لم يكن ليُقدَّر لها أن تتشكّل في الأصل لولا وجود رعاتها المحلّيّين ممّن يُسمَّوْن في قواميس المقاولات الرخيصة بـ "مخالب القطط" أو بـ "ملاقط النار" الذين غالبًا ما جرت العادة على أن يخدموا مصالح الخارج الإقليميّ والدوليّ على حساب الداخل اللبنانيّ، وهم الرعاة المعروفة هويّتهم وتسعيرتهم ومواقفهم وجرائمهم للجميع، سواءٌ تقنَّعوا بحصانةٍ نيابيّةٍ من هنا أم تسلَّحوا ببطاقةِ عضويّةٍ في هيئةٍ مدنيّةٍ أو جمعيّةٍ حقوقيّةٍ من هناك.
على هذا الأساس، ونظرًا لأنّ العنوان العريض للمرحلة اللبنانيّة المقبلة سيتركّز بكلّ تأكيدٍ على الخطوات الأمنيّة ذات الصلة بتفكيك تلك الشبكات والخلايا الإرهابيّة بشكلٍ نهائيٍّ، ومع الأخذ في الاعتبار مسبَقًا أنّ كافّة التقديرات تؤشِّر بوضوحٍ إلى أنّ النجاح سيكون حليفًا لهذه الخطوات مهما كانت الاحتمالات والظروف، فإنّ أكثر ما يحتاج إليه اللبنانيّون في هذه الأيّام، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى، يتمثّل في وجوب قيام الشخصيّات الوطنيّة المعروفة بنزاهتها واعتدالها في الوسطيْن الإسلاميّ والمسيحيّ بتركيز لغة تخاطبها مع الناس على أساس القناعة الراسخة والقائلة بأنّ زمان الإرهاب في لبنان أوشك حقًّا على طيّ صفحته الأخيرة، حتّى ولو اضطرَّت إلى ترديد هذه القناعة بشكلٍ يوميٍّ، وذلك لاعتباراتٍ عديدةٍ ومتنوِّعةِ الأبعاد والأهداف، قد يكون من بينها تشجيع المزيد من مقاولي الإرهاب ورعاته المحلّيّين الآنفي الذكر على قراءة فعل الندامة على ما اقترفته أياديهم من ذنوبٍ فوق الأراضي اللبنانيّة منذ تفجُّر الأزمة السوريّة عام 2011 ولغاية يومنا الراهن، أسوةً بما فعله البعض منهم خلال الأيّام الأربعة الماضية، ولكنّ أهمّها يتمثّل في أنّ التشديد على الاعتراف بالأمر الواقع المستجِدّ في ضوء ما حقّقته معركة "فجر الجرود" من نتائجَ مبهرةٍ لا بدّ من أن يؤدّي بشكلٍ تلقائيٍّ إلى حثّ العديد من الشبكات والخلايا الإرهابيّة الداخليّة على اتّخاذ قرار حلّ نفسها بنفسها، ولا سيّما أنّ القاصي والداني يُدرك كامل الإدراك أنّه لولا الفقر والعوز واليأس والإحباط لما كانت ثقافة التطرُّف والتفخيخ والتفجير والتلغيم قد وجدت بيئتها الحاضنة في لبنان، ولو إلى حين.
وإذا كان الإسلام السياسيّ المعتدل في لبنان منوطًا بالقيام بهذه المهمّة التاريخيّة في هذه الظروف البالغة الدقّة والحساسيّة التي يمرّ بها الوطن، فإنّ أيّ تكثيفٍ لما يمكن أن يُبذَل من جهودٍ نبيلةٍ في هذا السياق، لا بدّ من أن يُقابَل على الجانب الرسميّ بمواقفَ تشجيعيّةٍ من شأنها أن تصل إلى حدّ دراسة حالة كلّ عنصرٍ من عناصر الشبكات والخلايا الداخليّة المذكورة على حدة، بما يضمن إمكانيّة التعامل مع الذين لم تتلطّخ أياديهم بالدماء بأسلوبٍ مختلفٍ عن الآخرين، على غرار ما يحصل عادةً في معظم الدول المصابة بوباء الإرهاب في العالم، الأمر الذي لا بدّ من أن يؤدّي بطبيعة الحال إلى المساهمة بشكلٍ كبيرٍ في ترسيخ مقوِّمات الاستقرار الداخليّ المطلوب.
أمّا بالنسبة إلى ما هو منوطٌ ببعض أركان المكوِّنيْن الإسلاميّ والمسيحيّ في البلد على حدٍّ سواء، فإنّ أكثر ما يبدو ضروريًّا في الوقت نفسه هو التوقُّف كلّيًّا عن المزايدة في بورصة وجوب التنسيق من عدمه مع الإدارة السوريّة ممثَّلةً بنظام الرئيس بشّار الأسد حول مسألة عودة النازحين إلى ديارهم إذا ما أردنا لقطوع هذا الاستحقاق الخطير أن يمرّ على خير، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ كافّة المؤشِّرات المتوافرة حاليًّا تدلّ على أنّ جهد لبنان الرسميّ سينصبّ على نزع فتيل هذه القنبلة الموقوتة في المستقبل القريب.
وإذا كانت نسبة الإقبال على المضاربة في هذه البورصة كانت قد شهدت تراجعًا ملحوظًا في أعقاب اندلاع معركة "فجر الجرود"، فإنّ ما يعزِّز الاعتقاد بأنّ إبرة البوصلة اللبنانيّة مصوَّبةٌ في هذه الأثناء على الاتّجاه الصحيح، يتمثّل في أنّ هذه المعركة الحاسمة والحازمة في آنٍ معًا، وإنْ كانت قد رفعت نسبة تعاطف اللبنانيّين على المستوى الشعبيّ مع جيشهم الوطنيّ إلى درجاتٍ غيرِ مسبوقةٍ في التاريخ الحديث، ولكنّها أظهرت في الوقت نفسه مدى تعطّشهم إلى بناء الوطن الحرّ السيّد المستقلّ، أي الوطن اللبنانيّ أوّلًا وأخيرًا وقبل أيّ اعتبارٍ آخر، حيث القوميّة موحِّدةٌ والهويّة موحَّدةٌ، الأمر الذي لا بدّ من أن يُترجَم عمليًّا لدى توجُّههم إلى صناديق الاقتراع لاختيار نوّاب الأمّة العام المقبل.. وحسبي أنّ المترشِّح الذكيّ هو ذلك الذي سيخوض حملته الانتخابيّة تحت شعار "شرفٌ، تضحيةٌ، وفاءٌ" لكي يضمن لنفسه قاعدةً شعبيّةً تؤهِّله للدخول لاحقًا إلى البرلمان.. فما أضيق العيش في لبنان لولا فسحة اليرزة، وعسى أنّ اللبيب هذه المرّة من "فجر الجرود" يفهم.. والخير دائمًا من وراء القصد!