إذا كان إتفاق معراب الذي اسهم في إيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية استلزم اشهرًا لكي يصبح حبرًا على ورق، وبهذا الحبر الذي وقّع به كل من عون ورئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع هذا الإتفاق، الذي وصفه كثيرون بـ"التاريخي"، وأنهى خلافات بين "القوات" و"التيار الوطني الحر"عمرها سنوات، فإن ما بين "القوات" وتيار "المردة" سنوات من البعد السياسي بمفهمومه الإستراتيجي.
قد تكون شخصية كل من الوزير ملحم الرياشي والنائب ابراهيم كنعان، وهما ينتميان إلى قضاء واحد، قد لعبت دورًا إيجابيًا في نزع الألغام المزروعة على طريق معراب – الرابية، وهما اللذان قضيا أيامًا وليالي في الترتيب والتنقيح وتهيئة الأجواء الملائمة لإنهاء حالة من الجفاء وصلت أحيانًا كثيرة إلى العداء، في السياسة وعلى أرض الواقع على مستويي القيادة والقاعدة.
من يراجع مواقف كل من عون (الرئيس) وجعجع قبل الإتفاق لم يكن يعتقد يومًا أنه من الممكن جمع الأضداد إلى طاولة واحدة وفي معركة رئاسة الجمهورية، على أثر ترشيح الرئيس سعد الحريري النانب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، وهذا الأمر كان من بين الأسباب الرئيسية التي جعلت جعجع يستعجل تبني ترشيح العماد عون في حينه، وذلك نظرًا إلى ما كان يمكن أن يشكّله ترشيح فرنجية من محاذير بالنسبة إلى معراب، ومن بينها إنتماء الرجلين إلى جيل المخضرمين في السياسة، فضلًا عن إنتمائهما إلى منطقة جغرافية واحدة (بشري وزغرتا).
فإتفاق معراب أسهم مع من أسهم في وضع حدّ للفراغ الرئاسي وأنتخب العماد عون رئيسًا للجمهورية، وأنتج قطيعة سياسية بين حليفي الأمس (عون وفرنجية)، على رغم توزير يوسف فنيانوس في حكومة العهد الأولى، وعلى رغم وقف الحملات السياسية بين الطرفين، التي كانت قد بلغت ذروتها قبيل الإنتخابات الرئاسية.
أما التقارب بين بنشعي ومعراب على يد مهندسيه طوني الشدياق، وهو إبن بشري، والوزير السابق يوسف سعاده، إبن زغرتا، فينطلق من ضرورة إنهاء حال الجفاء السائدة في الأوساط "القواتية" كما في الأوساط "المردوية"، وهي حال لم تصل إلى حدود ما كانت وصلت إليه العلاقة "القواتية" – "العونية"، والتي كانت تترجم على أرض الواقع صدامات في المدارس والجامعات.
وفق ما يتناهى من أوساط الطرفين الزغرتاوي والبشراوي، فإن المفاوضات بينهما قطعت شوطًا لا بأس به على مستوى العلاقة الطبيعية بينهما، خصوصًا أن ثمة كلامًا غير رسمي منقولًا عن جعجع أن من أستطاع التفاهم مع "العونيين" لا يصعب عليه التفاهم مع أيٍ كان، وبالأخصّ مع فريق مسيحي له حضوره السياسي والشعبي على مستوى لبنان عمومًا وعلى مستوى الشمال خصوصًا.
وهذا الأمر يدعو بعض المطلعين إلى التفاؤل بإمكانية توصل الفريقين إلى إتفاق على الأمور التي لا تشكّل في السياسة تضاربًا في المصالح الوطنية، بغض النظر عن الإختلاف العميق على الأمور الإستراتيجية، التي تبقى عرضة للأخذ والردّ، في ضوء ما يمكن أن تفرزه التطورات الإقليمية والمحلية من مفاجآت، قد تتبدل معها النظرة الموضوعية للتحالفات الراهنة.
ومع أن عيني كل من "الحكيم" و"البيك" على رئاسة الجمهورية، ولو بعد حين، فإن ما يجمع بينهما في الظرف الراهن هو ما يفرّق بينهما وبين رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل إنتخابيًا، أقله في دائرة الشمال، التي تضم أقضية زغرتا وبشري والكورة والبترون، وفيها عشرة نواب ( 3 في زغرتا هي من حصة "المردة" حاليًا، و2 من بشري من حصة "القوات"، و3 في الكورة من بينها نائب لـ"القوات"، و2 في البترون ومن بينها واحد لـ"القوات")، أي أن لـ"القوات" أربعة نواب ولـ"المردة" ثلاثة نواب، فيما توزع المقاعد الثلاثة الأخرى على النواب فريد مكاري ونقولا غصن في الكورة، وبطرس حرب في البترون.
المعلومات تتلاحق عن سعي مشترك يبذله تيار"المردة" وحزب "القوات اللبنانية" إلى تقارب انتخابي يضم أطرافاً آخرين، تقارب يعني إذا ما تحقق حسم نتيجة انتخابات الدائرة إلى حد بعيد، سواء خاضتها لائحتان أو ثلاث وأكثر. لم يعد سراً نشاط موفدين من الجانبين ذهاباً وأياباً على طريق بنشعي – معراب. وأيضاً عن ترحيب من الجانبين بفكرة التعاون من أجل التحكم في نتيجة فرز الأصوات مسبقاً بعملية تقاسم للمقاعد من ضمن تحالف أوسع يعطي نتائج شبه مضمونة لكل من المقاعد العشرة في الدائرة. فيأخذ "المردة" مقعدان في زغرتا والثالث لرئيس حركة "الاستقلال" ميشال معوّض، ويأخذ حزب "القوات" مقعدي بشري ومقعداً أو مقعدين في الكورة، يتعلق الأمر بترشح نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري أو إصراره على موقف النأي بالنفس هذه المرة عن الانتخابات.
والمعلومات تفيد بأن ثمة تصوراً لتحالف انتخابي، لائحة واحدة لم تعد فكرتها بعيدة من التبلور، ولا أسهل من تعبئة أسماء أعضائها المتبقين، في حال بقيت المعطيات الحالية على حالها، وتعذر التفاهم انتخابياً بين هذه القوى، منفردة ومجتمعة مع الوزير باسيل، والذي لن يتبقى متوافراً للتحالف معه على لائحة واحدة من القوى الأساسية غير الحزب السوري القومي الاجتماعي، في الكورة.
فهل ينجح الشدياق وسعاده في تعبيد طريق بنشعي – معراب أم تبقى مساعيهما محصورة في إطار "ضبضبة" الوضع الشمالي المسيحي فقط، من دون التوصل إلى ما يشبه إتفاق معراب؟