في كل مرّة يطّل فيها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله تحمل كلماته مادّة دسمة للنقاس السياسي في البلاد، وهو نقاش قائم بين معادلتين و"معسكرين"، الأول يحاول الإبتعاد قدر الإمكان عن المحور السوري الشديد الحماوة، والثاني يدفش في إتجاه ما يصفه بعض من هم في "المعسكر" الأول بـ"التطبيع" اللبناني – السوري.
في مقدمة "المعسكر" الأول يقف رئيس الحكومة سعد الحريري، الذي ينتظر ما ستؤول إليه التطورات السورية، وإلى جانبه يقف النائب وليد جنبلاط، وهو الذي يقرأ جيدًا في الكتاب الإقليمي، ويعرف تمام المعرفة متى تجب المواجهة ومتى يجوز التراجع والإنكفاء، إضافة إلى رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، الذي يرفض في شكل قاطع أي علاقة مع "النظام السوري"، أيًّا يكن شكل هذه العلاقة، وهو كان أشدّ المعارضين لزيارة عدد من وزراء الثامن من آذار سوريا مؤخرًا.
وما يباعد بين "صقور" و"حمائم" المعسكر الأول قد يكون بعض المصالح الإستثمارية المستقبلية، عندما تحطّ الحرب السورية رحالها وتبدأ مرحلة إعادة إعمار ما هدّمته هذه الحرب، وهي مرحلة تستلزم إمكانات ضخمة لولوج غمارها، نظرًا إلى ما يمكن أن تكون عليه المنافسة الشديدة.
أما من يقف في المقلب الآخر من "معسكر" ممانعة التطبيع، ويأتي السيد نصرالله في طليعة المحّفزين لأي تواصل بين الحكومتين اللبنانية والسورية، فهم مع مبادرة لبنان إلى الإتصال بالقيادة السورية من أجل التنسيق معها في أكثر من مجال، وبالأخص في المجالين الزراعي والتجاري، فضلًا عما تفرضه معركتا "فجر الجرود" و"إن عدتم عدنا" من تنسيق عسكري وأمني لتلافي أي خطأ ممكن أن ينتج عن الطبيعة الجغرافية المتقاربة على دفتي تلة "حلمات القارة".
أما على المستوى الرسمي، وإن تصرّف مجلس الوزراء على الطريقة "النعامية"، فقد ذهب عدد من الوزراء إلى دمشق، مصرّين على إعطاء زيارتهم طابعًا رسميًا وغير شخصي، وهو أمر يمكن إدراجه في خانة "القضم التدريجي" للقرار الرسمي، بحيث يصبح مع الوقت أمرًا واقعًا ومن قبيل "تحصيل الحاصل"، تمامًا كما حصل مع "حزب الله"، الذي ذهب في البداية إلى سوريا للقتال فيها تحت شعارات عدة، إلى أن اصبح وجوده فيها وفي غيرها من مناطق القتال أمرًا غير مدرج على بساط البحث، بعدما أصبح أمرًا مفروغًا منه وغير قابل للنقاش.
وفضلًا عن إشكالية التنسيق اللبناني – السوري أو عدمه طرح السيد نصرالله في خطابه الأخير إشكالية جديدة قديمة لا تحظى بإجماع لبناني، وهي المعادلة الذهبية القائمة على ثلاثية: الشعب والجيش والمقاومة. وأضاف إليها عاملًا خلافيًا جديدًا عندما استبدل الثلاثية الذهبية برباعية ماسية مضيفًا إليها الجيش السوري لتصبح: الشعب والجيش (اللبناني) والمقاومة والجيش السوري. وهذا الأمر فتح باب الفعل وردّة الفعل على مصراعيه، مع تأكيد رافضي المعادلتين الذهبية والماسية بأن المعادلة الوحيدة المقبولة هي ما تضم الشعب والجيش والدولة.
ولا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة إطلاق النار عند كل إطلالة لنصرالله إختفت، وهذا أمر لا بد من التنويه به، خصوصًا أن السيد كان حاسمًا وجازمًا في هذا المجال ورفع الغطاء عن كل من يطلق النار في الهواء في أي مناسبة، داعيًا الدولة اللبنانية إلى إتخاذ الإجراءات الضرورية لإستئصال هذه الظاهرة المقيتة والقاتلة.