بقدر ما كان وقع الخبر على أهالي الشهداء موجعًا بقدر ما كانت مهمة اللواء عباس ابراهيم شاقة ومؤلمة.
بشجاعة وحزن حمل معه الخبر المؤسف، وهو الذي رافق وجع الأهالي لحظة بلحظة منذ اليوم الأول لأسر الشهداء. كادت الدمعة تسبق الكلمات. إختارها بعناية ودّقة حتى لا يقع وقعها كالجمر في قلوب الأباء والأمهات، الذين لم يصدّقوا ما يسمعون، أو أن لهفتهم لسماع خبر مفرح، ولو أنهم في قرارة نفوسهم كانوا يعرفون الحقيقة المرّة، رفضت التسليم بالواقع، فأنهار من أنهار منهم، وصُعق من صعق، وأنتحب من انتحب، وبكى من بكى بألم وحسرة.
تمالك اللواء نفسه، وهو الذي يعرف أكثر من غيره ما عاناه الأبطال الشهداء قبل أن ينّفذ بهم حكم الإعدام بتهمة رفضهم خيانة قسمهم والولاء لوطنهم ولجيشهم، ففضلوا الإستشهاد على الإنصياع لرغبات جلاديهم وأوامرهم. أقبلوا على الموت ببطولة ما بعدها بطولة وهم مرفوعو الرأس. أحرار عاشوا وأحرار واجهوا قدرهم.
أمام هول وقع كلمات أختصرت معاناة عمرها ثلاث سنوات تمالك اللواء نفسه وقًبِل المهمة ِالصعبة، وهو الذي أعتبر أنها من أصعب المهمات التي أوكلت إليه في تاريخ نضاله.
صحيح أن قلوب جميع اللبنانيين كانت في تلك اللحظة المأسوية تخفق وتحتضن أهالي الشهداء، ولكن الصحيح أيضًا أن الجمرة لا تحرق سوى مكانها، وهي تفعل فعلها ولا ترحم.
بقدر ما كانت فرحتنا بتحرير الجرود من الإرهابيين كبيرة بقدر ما كان حزننا على فقدان خيرة من شبابنا الأبطال كبيرًا أيضًا وعميقًا عمق الجرح الذي لا يندمل.
أيًّا يكن ما نحمله في القلوب والضمائر من تعاطف مع أهالي الشهداء، وأيًّا تكن كلمات التعزية نابعة من عمق أعماق الصدق، فهي لن تعيد إلى الأمّ المفجوعة وإلى الوالد المجروح في الصميم فلذات الأكباد.
أبكاني وآلمني كثيرًا ما سمعته من إحدى الأمهات، وهي تندب حشيشة قلبها، "يا ريتني أنا تحت التراب ومش انت يا ولدي". يا ريتني متّ قبل ما إسمع هالخبر البشع".
كلمات تختصر هول معاناة أمّ ثكلى بفقد ولدها. وهي على رغم حزنها ووجعها غير الموصوف تقول بكِبر وشموخ "فداك يا وطني. دم أبني لم يذهب سدى وهباء. يكفيني أن تحرير الأرض أرتبط بإسمه وإسم رفاقه في السلاح في مدرسة الوطنية والشهامة والكرامة".
لهذه الأمّ المفجوعة ولغيرها من إمهات الشهداء نقول مع جميع اللبنانيين اليوم هو عرس الشهادة، عرس الأبطال الذين لولا تضحياتهم لما بقي لنا أمل بمستقبل لأولادنا.