تكاد تجمع تقارير التنمية البشرية، ومؤشرات رفاهية المجتمع العربي أن المشكلة الأبرز التي تعاني منها شعوب هذه المنطقة، إذا تجاوزنا الحروب والارهاب والصراعات الأهلية، هي مشكلة تملك عقار وغلاء أسعار الشقق، الأمر الذي يهدد ملايين البشر بفقدان واحد من الحقوق الرئيسية، وهو حق السكن. وخصوصاً بعد "انفجار" أسعار العقارات التي بدأت منذ العام 2006 حتى كادت تتحول الى يأس شبابي جماعي، وترتبت عليها مشاكل معيشية وحياتية واقتصادية أخرى، بل انفجرت أزمة زواج أو تأخر سن زواج في الكثير من الأحيان!!
هل صحيح أن زمن تملك شقة قد ولّى، وما هي السبل الكفيلة بالتغلب على هذه الأزمة؟
بين التراجع وانتظار الفرج
"أبشروا خيراً، أسعار العقارات في انخفاض مستمر".. من المؤكد أنكم سمعتم عن هذا التراجع المفاجئ، وهو ما أثبتته دراسة أعدتها الشركة المتخصصة "Real Estate Registry"، التي تشير وبالأرقام إلى "أن أعداد صفقات بيع العقارات المسجلة خلال النصف الأول من عام 2017 مقارنة بالفترة عينها من عام 2016 تشير الى زيادة بنسبة 12% (أكثر من 33 ألف عملية بيع في بيروت، بعبدا، المتن، وكسروان) والتي تقدر أرباحها مجتمعة بـ4.5 مليار دولار"، وقد ربطت الدراسة ارتفاع عمليات البيع بانخفاض أسعار العقارات.
ويذكر أحد خبراء التطوير العقاري في لبنان في حديث مع "لبنان 24" بالتضخم السابق لأسعار الشقق حيث ارتفعت بنسبة 200-300% ووصل السوق الى الذروة في العام (2012) بسبب زيادة الطلب الاقليمي، ثم في 2015 - 2016 شهد استقراراً في الأسعار، الى أن بدأت الأسعار بالتراجع منذ سنة تقريباً بسبب الضائقة الاقتصادية، وبناءً عليه، بيعت الشقق الرخيصة بشكل سريع، أما الشقق المرتفعة الثمن فاضطر أصحابها الى خفض سعرها". ويشير الخبير إلى أن "الارباح تصل نتيجة اللاشفافية الحاصلة في السوق الى 100-150%".
وبالنسبة الى الخبير الاقتصادي ايلي يشوعي، فإن أسباباً عدة أدت الى تراجع الطلب على الشقق، منها: تراجع التحويلات من الخارج، وعجز ميزان المدفوعات، والعجز المحلي وزيادة الضرائب، التي اثرت على القدرة الشرائية، وسط ركود اقتصادي في البلد. ويحمّل يشوعي المسؤولية لـ "السياسة النقدية الانكماشية للبنك المركزي المعتمدة في لبنان منذ 1993، والتي تمنع كميات كبيرة من السيولة على القطاع الخاص للإحتفاظ بها"، لافتاً في حديث لـ"لبنان 24" الى أن "البنك المركزي يدعي أنه يبقي احتياطات خارجية تاريخية للحفاظ على سعر صرف الليرة وهي أكذوبة".
وفي رأي معاكس تماماً لآراء الخبراء العقاريين، يؤكد المطور العقاري جورج شهوان أن "المساحة التي يمكن البناء عليها في لبنان تبلغ 6000 كلم2 أغلبها في بيروت وجبل لبنان، ونسبةً الى عدد سكان لبنان (4 مليون لبناني ونحو 14 مليون مغترب) فمن الطبيعي أن تنخفض مساحة الأراضي الصالحة للبناء، وهي جميعها عوامل تجعل السوق العقاري بمأمن من أي انهيارات".
ولا ينفي شهوان أن القطاع يمر بأزمة بسبب حالة الجمود الحالية، والسبب يعود الى أنه في عامي 2008-2009 تدفقت الأموال الى المصارف اللبنانية فازدادت السيولة تزامناً مع ازدياد المشاريع العقارية، بالإضافة الى أن المصارف وكمحاولة لتغطية الفوائد التي تدفعها للمودعين، قدمت قروضاً ساهمت بزيادة حجم العرض في السوق، وهكذا تأثر السوق بشكل سلبي بسبب الفائض في عدد الشقق المعروضة.
أما السبب الثاني، برأيه، فيعود الى عام 2015، يومها تأثر السوق بتراجع أسعار النفط وبالتالي تراجع أموال المغتربين الذين يشكلون القوة الشرائية الكبرى في البلد. أما السبب الأخير فهو تراجع حركة شراء الشقق من قبل الخليجيين لاسباب سياسية، بحسب شهوان.
وإزاء هذا الواقع، انقسم المطورون العقاريون الى قسمين: قسم لا ديون عليه لمصلحة المصارف، وبالتالي لا يضطر لخفض الأسعار أكثر من 5-%10 عن السعر السوقي، أما المطور "المضغوط" فيقوم بخفض سعر شقة واحدة أو اثنين بنسبة 10-20% بالحد الأقصى لتأمين السيولة، وليس جميع الشقق التي يمتلكها كما يُروج.
ويدعو شهوان من يريد شراء شقة الى الإستفادة من الوضع الحالي لأن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً بسيطاً في السوق العقاري، ويشرح قائلاً: إن المصارف تقوم بإعطاء قروض عقارية بنسبة فوائد قليلة، كما أن الوضع الامني مستقر، من دون أن ننسى أن المصرف المركزي أوعز الى جميع المصارف بعدم التضييق على أصحاب القروض، وخصوصاً المطورين العقاريين، وكلها عوامل ساهمت في دعم القطاع.
القروض والحلول السحرية
وبالحديث عن القروض العقارية والسكنية، كيف تتعامل البنوك مع العملاء ليستفيدوا من الفرصة التي يتيحها الوضع العقاري الحالي؟ "لبنان 24" فتح هذا الملف مع "بنك عوده" حيث أوضح المسؤول الإعلامي فيه أن ثمّة 3 أنواع من القروض السكنيّة:
-قرض المؤسّسة العامّة للإسكان بالليرة اللبنانيّة، والذي يتميّز بدفعة أولى بنسبة 10% من ثمن الشقّة وبفترة سداد تصل إلى 30 سنة.
-القرض السكني المدعوم من مصرف لبنان بالليرة اللبنانيّة، والذي يتميّز بدفعة أولى تبدأ بنسبة 25% وبفترة سداد تصل إلى 30 سنة.
-القرض السكني بالدولار الأميركي، والذي يتميّز بدفعة أولى تبدأ بنسبة 25% وبفترة سداد تصل إلى 25 سنة.
بماذا يتميّز القرض السكني من "بنك عوده" عن بقيّة المصارف؟ يشرح المسؤول الاعلامي بأن السر في نجاح المصرف هو اتباعه النهج الصحيح والذي يقتصر على وضعية العميل أو فئة من العملاء، عبر تقديم النصائح المناسبة التي تتكيّف مع خصائص كلّ فئة وأوضاعها، عوضاً من منتجات وخدمات يتمّ تقديمها لجميع العملاء! ويتحدث المسؤول عن القروض المشخصنة (personalized loans) مثل القروض لعناصر الجيش وقوى الأمن الداخلي، إلخ.. التي بنظره، "تلبي احتياجات عملائه المتزايدة".
وإذ يدعو إلى الإفادة من التسهيلات التي يقدمها البنك، يعتبر أن القاعدة الاساسية التي تؤسس لمعاملة سليمة وقانونية هي "الوضوح والشفافيّة" بين البنك والعميل، ويضيف: "يستفيد العميل من تطبيق الـloan calculator لإعلامه بقيمة دفعته الشهريّة، والتي يمكن تنزيلها مجّاناً من Google play أو App store، أو على موقع بنك "عوده" الإلكتروني www.bankaudi.com.lb".
بحسب الخبراء، ولأن السوق العقاري هو سوق حر لا رقابة عليه، فإن مفاتيح شراء شقة مناسبة هي بالتفاوض ثم التفاوض حتى النفس الأخير، مع أهمية الإطلاع على الوضع العقاري والأسعار قبل بدء البحث عن الشقة لأن "الاذكى هو من يربح"!