في خضمّ الخلافات وتقاذف المسؤوليات والاتهامات وحفلات التخوين وحلقات الجنون القائمة في هذه الأيام، لا بدّ من أن نتفق على أمر واحد، واضح كعين الشمس الطالعة بعد "الفجر": ما من أحد، أيّ أحد، قادر على فهم وجع أهالي العسكريين الشهداء أو استيعابه أو تحسسه. إنها جلجلة يصعب على أي كان الشعور بقسوتها، حتى لو كان هذا الأحد ممن عبروها في وقت سابق، سواء بطريقة مشابهة أو مختلفة. إنها جلجلة استثنائية، تنطوي على كمّ هائل من "محطات" العذاب والخيبة والأمل المموّه والصبر الثقيل والتيه في غياهب الزمان والمكان والوعود والعهود. لذلك، بدا الصمت الخيار الأنسب والأقوى. الصمت حين يكون أبلغ من الكلمات وحيل القصائد والمجاز والاستعارات، واجب. لكنّ اللسان يأبى في أحيان كثيرة كبت الحروف، فكيف إذا كانت المشهدية أمامه تحمل ما لا يهضمه عقل بشريّ وما لا يندرج تحت أي منطق أو أخلاقيّة أو "قانون"؟!
على هذا النحو، يُصبح من السهل طرح جملة من الأسئلة أو مجموعة من الاحتمالات والفرضيات. أيهما "أفضل"، أو بالأحرى أسوأ، أن تنتهي المعركة في الجرود دون كشف مصير "العسكريين المختطفين" واستعادة رفاتهم أم إخراج الأبطال من التراب ونقلهم إلى المستشفى لإجراء فحوص الـ DNA فيما يُقلّ الإرهابيون برفقة زوجاتهم وأطفالهم في باصات حديثة على مرأى من الجميع؟! أيهما "أخفّ وطأة" على الأهالي الساكنين في خيم الأمل والألم؟
مجدداً، أحدٌ غير قادر على تخمين الإجابة بالنيابة عن آباء وأمهات واخوة واخوات وزوجات ورضّع حاربوا طوال ثلاثة أعوام رافعين شعار "معرفة المصير" أياً يكن. هم ذاتهم عاجزين ربما عن ذلك، بل رافضين على الأرجح هذا القدر الذي شاء زجّهم بين قضبان هذين "الاحتمالين".
أحدٌ لا يستطيع أن يكون مكانهم.لا الآن، ولا بالأمس ولا في الغد. لكن على الأرجح، ما كانوا قد تخيّلوا يوماً أن يحدث ما قد حدث للتوّ جرّاء "الصفقة" المُبرمة مع "داعش". لربما تخيّلوا في السابق، مشاهد كثيرة ونسجوا في مخيلاتهم ودفاتر آمالهم وأحلامهم وتمنياتهم تفاصيل "اليوم المُنتظر"، كأن يستفيقون على خبر عاجل يتفشّى على التلفزيونات والهواتف الخلوية مفاده أنّ وسيطاً ما نجح في إقناع الخاطفين بالإفراج عن الجنود الأسرى. مشهدٌ كان الأجمل. بل كان وقود الأمل و"أوكسيجينه"...و"أوكسيجينهم"! على الأرجح، كان هذا المشهد – الحلم – المطلب يتأجج كلّما خرج من يؤكد بأن "قضية العسكريين من الأولويات"، أو كلّما سُجلّت تطورات على الحدود. وكان حتماً يتأجج في أوقات كثيرة مختلفة: كأن يحلّ عيد ميلاد جنديّ من الجنود. أو كأن تقتحم الذكريات خيمة في وسط بيروت المبلل بمطر أيلول. أو كأن تتزيّن الشرفات بأضواء العيد. او يولد طفلٌ صغير سيُخبر جدّه "حسين" لاحقاً أنه تعرّف إلى والده في المنام.
وفيما تتوالى الفصول على خيمة في وسط بيروت، كانت "المشاهد"، على الأرجح، تتنوّع وتتغيّر. أسوأها على الإطلاق، كابوس لطالما حاربته الأمهات تحت أشعة الشمس، فتسلل إلى وسادة يغدر بهنّ في ظلام الليالي وظلمها. كأن يعود العسكريون شهداء! كان قاسياً موجعاً صارخاً هذا المشهد. ومع ذلك، كان الأهالي، على الأرجح، حذرين في صوغ "السيناريو" حدّ أن باتوا شبه مقتنعين أنّ أسوأ الفصول وأقساها لا يمكن أن يتخطّى فكرة استقبال الجثامين بالورود والأرزّ والزغاريد ودروع التقدير ودموع ناس نادمين ومعترفين بالمسؤولية، أقلّه في قرارة أنفسهم. لم يكن من الاحتمالات الواردة سوى أنّ ابناءهم العائدين في نعوش مغطاة بعلم لبنان سيستقبلهم الشعب والرفاق على امتداد الوطن، استقبال الأبطال الذي لا تُذرف في خلال مراسمه الدموع ولا تهوى الرؤوس الحزينة على أكتاف منهكة. وفي تفاصيل هذه المشهدية المؤلمة، أنّ الجميع شاركهم (أي الأهالي) رحلة الوداع والصلاة والفخر وصولاً إلى طلائع فجر عابر للحظة والحدود، رسمته دماء "الغاليين" فداء عن وجوديّة وطن ببشره وحجره. وايضاً، أنه بعد دفن الشهداء وإطلاق العصافير من حناجر أمهات بلعن الوجع كرمى البطولة والحرية، سوف يهرول الجميع بحثاً عن القتلة فلا يُصبح هؤلاء اشباحاً يطاردون الأحياء والأموات والأجنّة في الأرحام. وحينما كان يُطلّ الأهالي على هذه المحطة في مشهد ما انفكّ يطاردهم بعد مضي السنوات وتحسس التراخي والإهمال والتقصير من قبل المسؤولين، كانوا على الأرجح يصدرون تنهيدة تشي باحتمالية التئام الجرح، أو أقلّه وقف نزفه. العدالة دواء. عدالة الأرض ايضاً دواء...
أحدٌ لا يستطيع أن يكون مكانهم. هل تخيّلوا مرة واحدة المشهد الذي صار على غفلة من وطن، حقيقة صارخة؟ هل رأوا من قبل وجوه القتلة تركب الباصات منتشية بنصر العودة و"الحرية" المجانيّة التي وزعت عليهم كما توّزع علب الهدايا على الأطفال في العيد؟! هل لمحوا، في مطلق أي مشهد طارئ ووقح، شارات النصر المرسومة بأصابع سوداء مقيتة ضغطت مرة على الزناد، وشدّت مرة أخرى على سكين تنحر من الوريد إلى الوريد؟!
على الأرجح، لو فعلوا ذلك، لما بقوا أحياء. لو فعلوا ذلك، لما بقوا كي يصيروا في زمن العار، أمواتاً في أجساد متهاوية على قبور طريّة ومنسيّة.