كان لا بدّ للمكالمة الهاتفيّة التي جرت مساء أمس الأربعاء بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والعاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز من أن تفتح شهيّة المحلّلين على الخوض في دراسة دلالاتها وأبعادها من منظارٍ مختلِفٍ تمام الاختلاف عمّا سبق وأن تناولته التحليلات الخاصّة بالعلاقات الأميركيّة – السعوديّة في الماضي، ولا سيّما أنّ سرّ تزامُنها مع انتهاء الجولة الأخيرة لوزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف في كلٍّ من الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة وقطر، حمل في طيّاته من المؤشِّرات ما يكفي للتأكيد على أنّ الولايات المتّحدة باتت تستشعر خطرًا حقيقيًّا جرّاء إصرار ندّتها روسيا على المضيّ قدمًا في تكثيف حضورها على الساحة الخليجيّة، على حساب المصالح الحيويّة الأميركيّة، وهي المؤشِّرات التي تَمثَّل أبرزها في ما رشح لغاية الآن من تسريباتٍ بخصوص اعتزام الجانبين الروسيّ والقطريّ العمل على توطيد علاقاتهما في شتّى المجالات السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة، وبالتالي، على اعتزام الدوحة الدخول كشريكٍ فاعلٍ في إطار الارتصاف القائم حاليًّا بين موسكو وطهران وأنقرة، أي بين عواصم الدول الثلاث المعنيّة بتسوية الأزمة السوريّة على أساس مرجعيّة أستانا، الأمر الذي يمكن أن يعني في إطار ما يعنيه أنّ احتمال خروج قطر من تحت العباءة الأميركيّة المتمثِّلة بأكبر قاعدةٍ عسكريّةٍ تملكها الولايات المتّحدة في منطقة الخليج العربيّ، أي قاعدة العديد الجوّيّة، يكاد يُصبح في الوقت الراهن أمرًا واقعًا بالفعل، وخصوصًا في ظلّ وجود البديل الروسيّ.
على هذا الأساس، ووفقًا لمصادر البيت الأبيض، فإنّ الرئيس ترامب أصرّ خلال المكالمة الهاتفيّة على دعوة العاهل السعوديّ إلى إيجاد حلٍّ ديبلوماسيٍّ لإنهاء الأزمة الخليجيّة "بأسرع وقتٍ ممكنٍ"، موضحًا أنّ الحلّ المطلوب "يجب أن يستند إلى التزامات قمّة الرياض بالوحدة في مواجهة الإرهاب"، ومردِّدًا ما بات يشكِّل سمةً أساسيّةً من سمات الخطاب الرسميّ الأميركيّ حول ما يُوصَف بـ "التهديد الذي تمثِّله إيران للمنطقة"، الأمر الذي لم يحمل في مضمونه أيّ جديدٍ، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مثل هذه المفردات ظلّت حاضرةً في مواقف وبيانات المسؤولين الأميركيّين منذ قيام السعوديّة والإمارات والبحرين ومصر بقطع علاقاتها مع قطر بتاريخ الخامس من شهر حزيران الماضي ولغاية اليوم.
من هنا، وعلى رغم أنّ الوزير لافروف لم يحمل في جعبته إلى عواصم الدول الخليجيّة الثلاث التي زارها خلال الأسبوع الحاليّ أيّ وساطةٍ روسيّةٍ مباشِرةٍ لتسوية الأزمة الراهنة، ولا سيّما أنّه اكتفى بالتعبير عن دعم بلاده القويّ لجهود الوساطة التي تبذلها دولة الكويت في هذا المجال، فإنّ ما يعزِّز الاعتقاد بوجود قلقٍ أميركيٍّ واضحٍ حيال تكثيف الحضور الديبلوماسيّ الروسيّ في منطقة الخليج العربيّ يتمثَّل في أنّ إدارة الرئيس ترامب أدركت مؤخَّرًا أنّ صوت
موسكو أصبح مسموعًا ومقبولًا أكثر من أيّ وقتٍ مضى في أوساط قادة دول هذه المنطقة، وخصوصًا من جهة ما يتعلَّق بما بات في حكم المؤكَّد عن أنّ موعد التوصُّل إلى تسوية الأزمة السوريّة على أساس مرجعيّة أستانا التي ترعاها روسيا وإيران وتركيا لم يعد بالبعيد، وهي التسوية التي لا يختلف اثنان على أنّ أكثر ما يزعج الأميركيّين فيها يتمثَّل في إصرار الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين على الدعوة باستمرارٍ إلى ضرورة مراعاتها لمصالح جميع الأطراف المعنيّة بالوضع في سوريا، بمن فيهم المملكة العربيّة السعوديّة.
وإذا كان اثنان لا يختلفان أيضًا على أنّ العوامل المتعلِّقة بتذبذب المواقف الأميركيّة وعدم وضوحها طيلة السنوات الستّ الماضية حيال الملفّ السوريّ هي التي شكَّلت السبب الأبرز لتشكيل الارتصاف الروسيّ – الإيرانيّ – التركيّ القادر على التدخُّل والتأثير بفاعليّةٍ في العديد من القضايا والمسائل الإقليميّة الهامّة، سواءٌ في سوريا أم في غيرها من الدول العربيّة المنكوبة بعصف مبدأ "الغموض البنّاء" الذي ما زال الأميركيّون يعملون على أساسه منذ بداية الألفيّة الثالثة ولغاية يومنا الراهن، فإنّ الأمل في إمكانيّة مشاركة الخليجيّين بالسير على أساس شعار "الوضوح البنّاء" الذي لم يتوقَّف الروس عن رفعه خلال الفترة نفسها يكاد يُصبح اليوم أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال.. وأغلب الظنّ أنّ مفاعيل القلق الأميركيّ الآنف الذكر تكمُن هنا بالتحديد، تمامًا مثلما يكمُن هنا أيضًا البيت في القصيد!