أن تحاور رجلًا سياسيًا دخل السياسة من بابها العريض، وباكرًا، وتسّلم رئاسة أكبر تيار سياسي مسيحي، ليس بالأمر السهل. فإن كنت تملك جزءًا من معطيات وبعض المعلومات فهو يملك كل المعطيات وكل المعلومات.
لوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل طاقة على العمل غير متوافرة عند غيره. فهو في كل مكان في آن. ينتقّل بين القصر الجمهوري وقصر بسترس ومبنى ميرنا شالوحي والرابية، وقليلًا في منزله، من دون أن يهمل هواية تسّلق الجبال.
يتابع ويلاحق ويلح. لا يترك لا شاردة ولا واردة. يتدّخل في أدّق التفاصيل. لا ينام ولا يترك غيره ينام.
ومع ذلك لوزير العهد أو بالأحرى لصهر العهد كثيرٌ من الخصوم. من داخل البيت، كما من خارجه.
فأخصامه في السياسة معروفون، وإن كانوا يلتقون معه في الخط الإسترايجي أو الخط التكتيكي.
فصراحته الخارجة عن المألوف وطريقته الإستفزازية في مقاربة المواضيع المطروحة تُكثر من حوله من يعتبرونه متعاليًا وفوقيًا، مع أن حقيقة شخصيته عكس ذلك، وتخلق نوعًا من المنافسة لدى بعض الذين يرون أنفسهم أولى بالمعروف، وقد يكون "ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد"، فضلًا عما يلاقيه من منافسة على الكرسي الرئاسي منذ الآن، وإن كانت عينه في الوقت الحاضر على الكرسي النيابي عن البترون، بعيدًا عمّا يمكن أن يكون لإنجاز تأمين التيار الكهربائي 24 على 24 من تأثير إيجابي على الحيثية الإنتخابية، تمامًا كما لم يوصله تخفيض كلفة فاتورة "السلولير" إلى الندوة البرلمانية في العام 2009.
يبدأ حديثه مع محاوره بقلب الأدوار، فيبادر إلى طرح الأسئلة، على خلفية موسيقى كلاسيكية، لكي يعرف من أين يبدأ وإلى أين يريد أن ينتهي، مقترحًا أن يحاور في الحلقات الحوارية على التلفزيونات السياسي الإعلاميين، "وهذا ما اقترحته في السابق على جان عزيز".
من نتائج معركة "فجر الجرود" يبدأ الحديث، "وهي قد حققت هدفيها: تحرير الجرود من الإرهابيين، ومعرفة مصير العسكريين المخطوفين".
ولأن طبيعة المعركة وجغرافيتها فرضت التسليم بترحيل ما تبقى من "دواعش"، "ولو كنت أفضّل أن يُقبض عليهم وتتمّ محاكمتهم أمام القضاء اللبناني، لو أنه كان مسموحًا للجيش بالإلتفاف عليهم من الجهة السورية". ولكنه يرى أنه نظرًا إلى ما حققته هذه المعركة من أهداف فإن الباقي يمكن إعتباره تفاصيل.
ولماذا لجأتم إلى نبش قبور الماضي؟
يرفض هذا المنطق، ليقول أنه لو لم يبادر البعض إلى التشكيك بما حققه هذا الإنتصار من إنجازات على مستوى الوطن لما كنا عدنا إلى الماضي وإلى ما تسبب به عدم إتخاذ قرار بتحرير العسكريين الأسرى، وإلى كشف نوايا بعض الذين أسهموا، من حيث يدرون أو لا يدرون، بإستقدام "داعش" إلى الساحة اللبنانية، "وهم اليوم منزعجون من دحره والقضاء عليه".
ماذا بعد التحرير؟
ملفات كثيرة أولها إستثمار إنتصار الجرود، ومعالجة مفاعيل أزمة النزوح السوري، وذلك بالعمل على تطبيق الإتفاقات الدولية والقوانين اللبنانية، الكفيلة بالتخفيف من وطأة هذه الأزمة ومن شأنها أن تعيد أعدادًا لا بأس بها إلى المناطق التي أصبحت آمنة في سوريا، بعد تدخل من بعض الدول للحؤول دون الذهاب بعيدًا في إيجاد حلّ، ولو مؤقت لهذه الأزمة.
وأستغرب كيف يُسمح لمن يُعتبر نازحًا بالدخول والخروج على هواه، وهذا أمر مخالف للمفهموم الدولي العام للنزوح.
وبالإنتقال إلى الملفات الداخلية يعترض البعض على قوله أن الوضع السياسي لا يسمح بمعالجة الملفات العالقة، ويعتبرون أن هذا القول يمكن أن يكون صحيحًا قبل العهد الحالي، وقبل الأمل الكبير من أنه يحمل معه راية التغيير.
وفي جوابه أن ما تحقق من إنجازات حتى الآن من إقرار قانون جديد للإنتخابات وإقرار سلسلة الرتب والرواتب وما يُعمل لإنجاز الموازنة العامة، نوع من التسليم بالأمر الواقع من أن ثمة من لا يريد للعهد النجاح، بدءا من ملف الكهرباء إلى ملف النفط وإلى معالجة الأزمات الإقتصادية والإجتماعية.
وهل هذا الأمر يعود إلى عدم الإنسجام داخل مجلس الوزراء وبين الحلفاء، فيعيده إلى أن التنسيق معهم يكون على "القطعة"، مؤكدًا أن العلاقة مع تيار "المستقبل" ممتازة، وكذلك مع "القوات اللبنانية".
وينتهي اللقاء من دون أن ينتهي، وهو استكمل على الباب بالتمني أن يكون تعاطي الإعلام ايجابيًا مع الإضاءة على الإيجابيات وعدم التهاون من إنتقاد الخطأ، حيث يكون "ونحن معكم لمحاربة الفساد".