بعد ثلاثة أعوام، يقفُ والدُ الشهيدِ يبكي عمرَه الذي جنى وارتحل... بعد ثلاثة أعوامٍ تملأ الأمهاتُ الثكالى البيتَ نحيباً، نُواحٌ تكاد جدرانُ البيت تملُّ منه وهنَّ ما كلَلَن بعد.. هو ضجيجٌ يَسْكتُ اليومَ وحركةٌ تهدأ بعدما كانت تدبُّ حياةً كلّما ذهب إلى خدمته ومتى عاد.. اليومَ يكتبُ "الراوي" نهاية الأبطال، فنقلبُ نحن صفحةَ الرواية الأخيرة، ليبدأ الأهالي فصلاً جديداً منها.. تقلّبونَ فيه أنتم ألبومَ صور ملؤه حنينٌ وذكرياتٌ تغرقُ بمرارةِ الرحيلِ وحسرةِ الفراق.
ثلاثةُ أعوامٍ ونحن ننتظر، في خيمة، في منزل، على رصيف، هنا هناك لا هم.. ثلاثةُ أعوامٍ والوعدُ يليه وعدٌ، ثلاثةُ أعوامٍ زادت فيها تشقّقات أقدام الأمهات أكثر، وانهزمت فيها صلابة الأباء أكثر..
أبطال الجيش وما رحلتم، هو الزفافُ الأخيرُ فتحضّروا له عريساً تلوَ العريس، فيه نرقص ويرقص الجميع على أوجاعٍ بعدما جفّت الجراحُ من شدّة النزيف.. حسين عمار، خالد حسن، محمد يوسف، علي الحاج حسن، مصطفى وهبة، سيف ذبيان، علي المصري، إبراهيم مغيط، عباس مدلج ويحيى خضر، تمهّلوا في الرحيل الأبدي، واسمعوا أبيكُم في وصيّةٍ لم تصمد، وباتت رجاءً في اللقاء القريب:
شهيدي وبطلي.. بُنيَّ حامي العزّةِ والكرامةِ والبيتِ والعرض، ماذا أزفّ فيك ولم يبقَ منكَ لي إلّا عظامُك، رميمٌ أنثره على جسدي الذي فنَيْته أنتَ.. اليوم تراني أحيا بما أبقيت لي من سنين أنهكتها غيبةُ الجرود والصقيع، وقد تنهيها غيبةُ اللحد والتراب...
شهيدي وبطلي.. ماذا أقول لك ويكادُ ينقطع نفسي وأنا اللاهث خلفَ نعشِك، تمهّل لِمَا العجلة، فما نثرت الورود بعد، وما رقصت في رحيلٍ أضنيتني به ولم تسلْ.. آهٍ بُني، ينخرُني الوجع وأيّ وجع هذا، وأيّ وصية أقولها، فآهٍ لو كنت في زمن عيسى..
شهيدي وبطلي.. كأنّي أسمعُك تسألني الصبر، فكيف تسألني الصمودَ وأنا في حضْرة الموت قتيلٌ... كأنَّك تسألُ أمّك تماسكاً؟؟؟ كيف تسألها ومن رحمها الذي وَلَدَك تنسلخ...
شهيدي وبطلي، رغم موتنا مازلنا نحيا مازلنا نقف، لا عليك وما همَّك كيف نحيا ونبقى، أيُعقلُ السقوط قبل الزفاف.. كيف؟ ولدي، ما همّني النياشين والأوسمة، وما همّني سجالٌ من هنا وآخر هناك، همّني أنّك بطلٌ من هذه الأرض والأرض خصبة.. دعكَ أنت اليوم من الهموم، ودعني أنا أشمَّ عطرَك في بزّتك كلَّ يومٍ في الصباح، فاليوم أنت تغدو وغداً أنا ألقاك.