يعرف المتابعون لمسار العلاقات بين موسكو والرياض أنّ ذاكرة الروس ظلَّت تحفظ للسعوديّين منذ مطلع الألفيّة الثالثة ولغاية يومنا الراهن، عامًا بعد عامٍ، وبدرجةٍ عاليةٍ من الامتنان والتقدير، فضلًا كبيرًا يعود تاريخه إلى يوم السادس عشر من شهر آذار عام 2001، وذلك عندما تمكَّنت القوّات الخاصّة في المملكة من تنفيذ عمليّة الاقتحام الشهيرة لطائرة الركّاب الروسيّة التي تمّ اختطافها على أيدي مجموعةٍ شيشانيّةٍ مسلَّحةٍ من مطار اسطنبول إلى مطار المدينة المنوَّرة، الأمر الذي أدّى على الفور إلى النجاح في تحرير الرهائن البالغ عددهم مئةٌ وستّةٌ وسبعونَ مسافِرًا، بمن فيهم أفراد طاقم الطائرة، بينما اقتصر حجم الخسائر في الأرواح على مقتل راكبٍ واحدٍ من التابعيّة التركيّة، وأحدِ أفراد المجموعة الخاطفة، إضافةً إلى مضيفةِ طيرانٍ لم يتردَّد الخاطفون في الإقدام على ذبحها بدمٍ باردٍ بعد مرور ثوانٍ قليلةٍ فقط على بدء عمليّة الاقتحام.
يومذاك، وعلى رغم ما كان شائعًا عن بعض أشكال الدعم المادّيّ والمعنويّ الذي جرت العادة على أن تقدِّمه الرياض للحركات ذات التوجُّه الانفصاليّ في الشيشان، سواءٌ بشكلٍ مباشِرٍ أم غيرِ مباشِرٍ، فإنّ القيادة الروسيّة سرعان ما قرَّرت النظر إلى هذه المسألة من زاويةٍ إيجابيّةٍ، علَّها تنجح في حثّ الجانب السعوديّ على التوقُّف عن الانحياز لصالح طرفٍ ضدّ طرفٍ آخَر في الحرب الشيشانيّة التي كانت جبهاتها مشتعلةً بالكامل في تلك الأثناء، ولا سيّما بعدما ثبت لها أنّه شريكٌ فاعلٌ يمكن الاعتماد عليه والوثوق به في مجال محاربة الإرهاب عندما يتعلَّق الأمر بأرواح المدنيّين الأبرياء، على غرار ما حصل فوق مدرَّج مطار المدينة المنوَّرة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ عمليّة اقتحام الطائرة المختطَفة تمّت بمهارةٍ فائقةٍ، وبسرعةٍ قياسيّةٍ، وبأقلّ الخسائر الممكنة.
وإذا كان التاريخ قد سطَّر هذه الواقعة في صفحاته قبل قرابة الستّةِ أشهرٍ فقط من هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 على برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك ومقرّ البنتاغون في واشنطن، فإنّ الحرب التي شرع الرئيس الأميركيّ السابق جورج دبليو بوش في خوضها على الإرهاب في أفغانستان تحت ذريعة الردّ على تلك الهجمات، وما ترافق معها من ضغوطٍ هائلةٍ ومعروفةٍ مورست على الرياض، كان لا بدّ لها من تؤدّي في نهاية المطاف إلى فتح الباب الروسيّ أمام السعوديّين على مصراعيه، الأمر الذي سرعان ما جرى تتويجه بالزيارة التاريخيّة التي قام بها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز لموسكو، بينما كان لا يزال وليًّا للعهد، في شهر أيلول عام 2003، والتي تباحث خلالها مع الرئيس فلاديمير بوتين حول ملفّاتٍ دوليّةٍ وإقليميّةٍ عدّةٍ، كان أهمّها على الإطلاق ما سرَّبته مصادرُ روسيّةٌ وقتذاك عن اعتزام السعوديّة نقل ثمانين في المئة من أرصدتها الماليّة في الولايات المتّحدة إلى كلٍّ من روسيا والصين، ردًّا على الضغوط الأميركيّة، وهو ما تجلّى بوضوحٍ عندما خاطب الملك الراحل مضيفه الروسيّ في قصر الكرملين قائلًا ما حرفيّته: "إنّ فلاديمير بوتين وفيٌّ لشعبه، ووفيٌّ لأمّته الروسيّة، والمملكة العربيّة السعوديّة سوف تدعمه".
وعلى رغم أنّ هذه الخطّة لم يُكتَب لها النجاح لأسبابٍ بقيت طيّ الكتمان، وأغلب الظنّ أنّها تتعلَّق بالسياسات الأميركيّة الملتوية والقائمة على المعايير المزدوجة، فإنّ الزيارة بحدّ ذاتها، وعطفًا على ما تقدَّم ذكره بخصوص الدور الذي لعبته القوّات الخاصّة السعوديّة في إنقاذ أرواح ركّاب الطائرة الروسيّة المختطَفة في مطار المدينة المنوَّرة، سرعان ما فتحت الطريق أمام البلدين لتوطيد علاقاتهما المشتركة في كافّة المجالات السياسيّة والاقتصاديّة، وهي العلاقات التي لم يكن ليُقدَّر لها النجاح في تجاوز المطبّات التي اعترضت مسارها خلال السنوات الستّ الماضية، وتحديدًا في الميدان السوريّ، لو لم تكن مبنيّةً في الأصل على أسسٍ متينةٍ وخاضعةٍ لقواعد الاحترام المتبادَل والمصالح المشترَكة.
من هنا، يُصبح في الإمكان القول إنّ إجماع الخبراء والمحلّلين على إضفاء الصفة التاريخيّة على زيارة العاهل السعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز المرتقبة لموسكو له ما يبرِّره، تمامًا مثلما يُصبح للتفاؤل الروسيّ – السعوديّ الملحوظ بالزيارة ما يبرِّره أيضًا، ولا سيّما أنّها تأتي كتحصيل حاصلٍ لإصرار قيادتيْ البلدين المتواصل طيلة سنوات الألفيّة الثالثة على الارتقاء دائمًا بعلاقاتهما إلى مستوياتٍ تليق بمكانتهما المرموقة على الساحتين الدوليّة والإقليميّة، الأمر الذي لا بدّ من أن يُترجَم عمليًّا خلال الأيّام القليلة المقبلة، سواءٌ من جهة حجم الاتّفاقيّات العسكريّة والاقتصاديّة التي يعتزم الجانبان التوقيع عليها أم من جهة شكل الارتصافات التي ستُحدِّد ملامح الشرق الأوسط القويّ والجديد.. وأغلب الظنّ أنّ البداية ستكون مشجِّعةً للغاية من سوريا، وما على بقيّة دول الإقليم سوى الترقُّب واليقين!