يشهد اليوم ترجمة جديدة للتفاهم السياسي - الرئاسي الذي ساد في الفترة الاخيرة، فيقرّ مجلس النواب في جلسته التشريعية السلة الضريبية الجديدة، بما يعيد إحياء الصورة على ما كانت عليه ما قبل الطعن بها أمام المجلس الدستوري وإبطال القانون المتّصل بها. كذلك يعيد رَمي هذا الثقل الضريبي وأعبائه وزياداته على الناس وحدهم، وخصوصاً الطبقات الفقيرة منهم.. وعلى الهيئات النقابية والقطاعات وكل المعترضين على هذا النهج أو الداعين لتأمين واردات من خارج جيوب الناس أن "يبلطوا البحر".
والحاصل أن السلطة في أدائها، قبل قرار المجلس الدستوري وبعده وحتى إشعار آخر، لا تمشي على نهج أو رؤى. تخبط خبط عشواء، تُكثر من الكلام فيما المطلوب شيء واحد، لا تجيده، هو الانجاز والالتفات لقضايا الناس ومقاربة التحديات القائمة على قاعدة المصالح الوطنية الكبرى لا حسابات الأشخاص أو شعبويات استثارة العصبيات.
يجمع أهل السلطة على اعتبار سلسلة الرتب والرواتب حقاً للعاملين في المصالح العامة والسلك العسكري والتعليم، فيما يعجزون عن تأمين واردات لدفعها إلا بفرض ضرائب تمّس الفقراء وتجعل من مكتسبات السلسلة وكأنها لم تكن.
لا شك بأن معضلة النازحين تستبطن تحديات اقتصادية وأمنية واجتماعية وحياتية وربما أكثر، فيكتفي من في السلطة بالعزف على وَتَرَي: رفض التوطين أو محاربة العنصرية أما صناعة السياسات وابتكار الخطط فمتروك للغيب!!
أكثر من ذلك، بسرعة البرق وصمت القصور مرّ موضوع تعطيل يوم الجمعة بذريعة مواكبة الحداثة وتفعيل الانتاج أمام المجتمع الدولي والجهات المانحة.. طيب، لكن أليس تأمين الكهرباء ورفع النفايات ومعالجة الازدحام من مظاهر الحداثة والتقدم، وله الأولوية على قرار يخل بالتوازن الوطني؟! وأمثلة كثيرة جداً على تخبط من في السلطة وعشوائية القرار.
في المقابل، ثمة قرارات حكومية تمر مروراً سهلاً سلسلاً، وتقع برداً وسلاماً على قلوب من في الحكومة، كإعطاء سلفة خزينة لوزارة الاتصالات بقيمة 150 مليار ليرة فقط لا غير، ومشروع استئجار باخرتي توليد الكهرباء، من ضمن الإدارة الفاشلة لقطاع الكهرباء، بقيمة 850 مليون دولار، والبطاقة البيومترية بقيمة 130 مليون دولار...!!
الحكومة، وربما العهد كله، أمام إشكالية سياسية وأخلاقية كبيرة، سببها تعاظم الهدر والفساد وتمرير الصفقات فيما كان الأمل قبل سنة تماماً بتحقيق شيء من الاصلاح والمحاسبة واسترجاع المال العام المنهوب. وبرأي متابعين أصبح وجود وزير في الحكومة لمكافحة الفساد بمثابة تشريع للفساد وتغطية للفاسدين، فهو حتى الان لم يجد ملفاً مشبوهاً واحداً يعمل عليه ما يعني بشكل او بآخر ان الوضع بالف خير والكل ملتزم القانون!! لم يسمع هؤلاء أن لبنان احتلّ المرتبة 136 من ضمن 176 دولة على مؤشر الفساد العالمي!
أداء السلطة في لبنان حبكة درامية مفتوحة دائماً على الغموض المحفوف بالإثارة، وعلى المناورة الشغوفة بالاستئثار، لكن بمنطق يتجاوز العقل، ويحتقر حقائق التاريخ. لا تتورع عن اتهام الآخرين بالفساد، ولا تتردد في تغطية الفضائح بذرائع ومسميات ديماغوجية. هكذا هو، بمناسبة ومن دون مناسبة، المشهد الذي يستثير الضحك والاستهجان والاستغراب. وقى الله البلاد من كل المصابين بعقدة السلطة.