أخذ اللقاء الثلاثي الذي جمع مؤخرا في كليمنصو كلاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط حيزا كبيرا من التحليلات والقراءات حول أسبابه ومضامينه، فمنها ما ربطه بالاستحقاق الانتخابي، ومنها ما ربطه بمساعي الحفاظ على الحكومة واستقرارها، ومنها ما اعتبره "ترويكا" جديدة ولدت لصد أي توسع أو تمدد سياسي يطيح بحدود التركيبة السياسية وأحجام ممثليها وسلطتهم في الدولة، لكن حقيقة الامر ان قاسماً مشتركاً واحداً، كشفته تعليقات الرئيس بري والنائب جنبلاط كان كفيلا في اسدال الستار عن كواليس اللقاء الحقيقية بوصفهما له بانه اتفاق الاطراف على "مقاربة الامور بواقعية باعتبار ان تحصين لبنان يجب ان يبقى أولوية وفوق كل اعتبار" وبان "أهم سلاح لمواجهة التحديات الاخطار في المنطقة هو الوحدة بين اللبنانيين"، على ما يؤشر ذلك من تلمس الاطراف الداخلية ان لبنان في مرحلة خطر ضاغط وبالتالي لم تعد خيوط التسوية التي يتمسك ببركتها قادرة على الاستمرار في حمل اطرافه الداخليين المثقل بعضها بجعب الحرب في سوريا وبعضها الاخر بالوصايا المعادية للاصحاب هذه الجعب ومن وراءهم .
من هنا فان هذا اللقاء يشكل لقاء تفاوضي بين ممثلي القوة اللاعبة في الداخل اللبناني بجدول اعمال جديد بتجاوز حدود التسوية التي جمدت خطوط النار بين الاطراف الداخلية طيلة الفترة السابقة لتشرع الباب مجددا امام عدد من النقاط الخلافية وفي مقدمها ملف التطبيع مع سوريا والموقف اللبناني من المواقف السعودية الاخيرة ضد حزب الله والداعية الى اقامة تحالف دولي صارم لمواجهته والذي يتطابق مع ما طرحه مستشار الرئيس الاميركي ترامب لهذه الناحية بالاضافة الى الخطوات التي يقتضي بالاطراف الالتزام بها لمواجهة العقوبات الاميركية الجديدة على حزب الله والمقرر الاعلان عنها قريبا هذا عن ما سرب من معطيات حول وجود تحفظات اميركية بشأن سماح لبنان بمشاركة حزب الله في الحكومة على حد تعبير رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الامير كي "إد روس".
لا شك ان البحث في هذه النقاط لا يمكن قراءته بمعزل عن ما يجول في المناخ العام للحراك الدولي والاقليمي في المنطقة، حيث يدل فرد اطراف اللقاء الثلاث للنقاط الخلافية في هذا التوقيت بالذات، بالتوازي مع ارتفاع حدة الضغوط على لبنان من خاصرة حزب الله بمثابة "استنفار" داخلي يهدف بالدرجة الاولى الى الاتفاق على دفع هذا التهديد بالتوجه نحو تعزيز الغطاء الشرعي لحزب الله تحت عنوان حماية الاستقرار الداخلي، وفي مواجهة اي محاولة للعدو الاسرائيلي تسمح بفتح حرب استنزاف في لبنان من بوابة التحالف الدولي المقترح تشكيله ضد حزب الله. ولكن ماذا عن حلفاء الداخل المعارضين لحزب الله ومن وراءه وعلى رأسهم الممكلة العربية السعودية وهل هناك من ترابط بين ما يهيىء للبنان وما بهيىء لسوريا ؟!
بالعودة للمعطيات التي تم تداولها مؤخرا حول اللقاء الذي جمع الرئيس بوتين بالملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز والتي وضعت اللقاء في خانة التسليم السعودي لروسيا بدورها في سوريا والمنطقة سيما وان الرياض تدرك صعوبة سلخ الدب الروسي عن طهران وحزب الله في الوقت الراهن لاسباب عدة ربما أبرزها يعود للحاجة الروسية للابقاء على تواصل وتنسيق مباشر مع طهران لضبط حراكها في سوريا من التفلت من تحت سيطرتها وخاصة وانها اصبحت ممسكة بعدد لابأس به من المفاصل الاساسية في الداخل السوري عدا عن وجود مساع ايرانية لبناء مطار جوي لها فيه ووضع اليد على الميناء البحري في طرطوس مما يعرقل الجهود الروسية في ترسيخ وجودها في المنطقة انطلاقا من سوريا.
من هنا فان تسليم المملكة بالدور الروسي في سوريا والمنطقة ربما يحمل في طياته موافقة ضمنية على الاستراتيجية الاميركية الجديدة التي سرب تفاصيلها مصدرمن الكونغرس الاميركي لاحدى الصحف العالمية والتي ينص البند الاول منها على ابقاء الرئيس الاسد في السلطة والاعتماد على موسكو في عدد من الامور الخاصة بأمن سوريا كالاستعانة بالجنود الروس لخفض مناطق نزاع، هذا مع الاشارة الى ان هذه الاستراتيجية يجري الدفع باتجاهها من قبل عدد من مكونات فريق الرئيس الاميركي ترامب السعاة الى توطيد العلاقات مع القيادة الروسية. الامر الذي يؤشر الى مساعي اميركية جادة تقضي يتقييد الحراك الايراني في سوريا بادوات روسية صرفة حيث اليد الايرانية النووية ممسوكة بالفيتو الروسي.
امام هذا المشهد ليس مستبعدا ان تلفح رياح هذا المشهد الداخل اللبناني، بما يعني تعليق استقراره على ضمانات في شق منها محض روسية وهذا ربما ما ستكشفه الايام المقبلة التي من المتوقع ان تشهد زخما في الحراك الدبلوماسي الروسي على خطوط دول المنطقة المتأزمة.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)