إستلزم إلغاء مفاعيل ما سُمي في وقتها "حرب إلغاء"وما تركته من آثار سلبية على مستوى العلاقة "القواتية"- "العونية" أشهرًا من العمل الجدّي، الذي أنتُدب له الوزير ملحم الرياشي عن "القوات" والنائب ابراهيم كنعان عن "التيار الوطني الحر"، حتى أن تغيير فاصلة من هنا ونقطة من هناك أخذ الكثير من الأخذ والردّ إلى أن أبصرت ورقة إعلان النوايا بين معراب – الرابية النور بصيغتها الأخيرة، بعدما أشبعت درسًا وتمحيصًا وتدقيقًا، فأتت معبّرة في مضامينها عن رغبة مشتركة بطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، سرعان ما أنعكست مفاعيلها على الأرض وتركت إرتياحًا لدى الجميع، نظرًا إلى أهميتها وإلى ما تضمّنه من نقاط مشتركة، وبالأخص إعترافهما "بأن التنافس السياسي أمر مشروع وواجب لارساء قواعد الديمقراطية وبلورتها في نظام الحكم".
وقد ربطت الورقة بين "تنقية الذاكرة" بـ"التطلع نحو مستقبل يسوده التنافس السياسي الشريف و/ أو التعاون السياسي"، من دون أن تغفل "التزام نهج الحوار والتخاطب السياسي البناء والسعي الدائم للتوافق على ثوابت وقواسم مشتركة"، وكأنهما أرادا بذلك إستشراف المستقبل بما يحمله من مفاجآت، أثبتت الوقائع أن علاقة أي طرف بالطرف الآخر محكوم بالظروف الآنية والمتغيرات التي تفرض قيام تواصل دائم بينهما.
واعتبر الطرفان أن اعلان النوايا هذا، يهدف إلى وضع المبادىء الديمقراطية ومعاييرها كأساس لتنظيم علاقتهما، وأكدا على ابقاء المبادئ الدستورية والميثاقية فوق سقف التنافس السياسي، كما أكدا على ارادتهما ورغبتهما بالعمل المشترك والتواصل في جميع المجالات والمواقع الممكنة لتنفيذ التزاماتهما الواردة في ورقة النوايا وعزمهما على تفعيل انتاجية اتفاقاتهما حيث يتفقان، والتنافس من دون خصام حيث يختلفان، كما يتعهدان بالتواصل الدائم والتباحث المستمر للتفاهم على كافة المواضيع ذات الشأن العام والوطني.
وبغض النظر عن العناوين العريضة التي تضمّنتها الورقة فإن ما جاء في ختامها يعبّر أصدق تعبير عما وصلت إليه علاقة الطرفين، مع عدم إهمال تعبير "التنافس من دون خصام حيث يختلفان". والواقع أن نقاط الخلاف بين "القوات" و"التيار" بلغت مرحلة متقدمة، بحيث بات يُخشى أن يتحوّل "التنافس" إلى خصام، خصوصًا أن ثمة شعورًا لدى القيادة القواتية، كما لدى القاعدة، أن ثمة "حرب إلغاء" جديدة بالسياسة بدأت تُشّن ضد "القوات"، وذلك من خلال وضع العصي في دواليب بعض المشاريع التطويرية التي يقدّمها وزراء "القوات"، ومن بينها ملف تلفزيون لبنان الذي لا يزال عالقًا ولم يدرج على جدول أعمال جلسة اليوم لمجلس الوزراء، وإن كان ثمة كلام بأن الرئيس سعد الحريري وعد الوزير الرياشي بطرح الموضوع من خارج جدول الأعمال، وهذا يعني المزيد من التسويف والتأجيل.
في المقابل، والكلام منقول عن رئيس "التيار" الوزير جبران باسيل "أن "القوات اللبنانية" كانت تأمل بأن تحصل على أكثر مما يحقّ لها"، فضلًا عن تأكيد مصادر عونية بأن لا أحد في "التيار" يريد التصعيد، مشيرة إلى أن العلاقة مع "القوات" تحتاج إلى "تركلج"، مشدّدة على أنه يجب على الجميع الإعتراف بأن ثمة هامشًا لرئيس الجمهورية، وبالتالي عليهم تقّبل هذا الواقع.وختمت هذه المصادر بـ"أننا لسنا في وارد التراجع عن ورقة التفاهم مع "القوات"، ولكن "بدن يطّولوا بالن علينا شوي".
في المحصلة لا ورقة إعلان النوايا ولا تفاهم معراب بخير، وهما موضوعان حاليًا في غرفة العناية الفائقة، وتدهور حالهما يستدعي "كونسولتو" أطباء لإنقاذ ما يجب إنقاذه قبل فوات الآوان وقبل أن يتحوّل تلويح "القوات" بإستقالة وزرائها أمرًا محسومًا.