الذين تتبعوا مسار الحوار "القواتي" ـ "العوني"، والذي أنتج ورقة "اعلان نوايا"، يدركون تماماً أن هذ التسمية لم تأتِ صدفة، بل احتاجت إلى الكثير من المناقشات، فضلاً عما استلزمه المضمون من جلسات عمل بين مهندسي الورقة النائب ابراهيم كنعان وملحم رياشي، ومن "روتشة" طالعة إلى معراب بخط العماد ميشال عون، واخرى نازلة إلى الرابية وعليها ملاحظات الدكتور جعجع، أدّت في النهاية إلى عقد اجتماع بين الرجلين، وأفضت إلى نتائج سريعة على الساحة المسيحية خففت من جو الاحتقان الذي كان سائداً بين "العونيين" و"القواتيين".
ولأن الوضع السياسي اللبناني متشابك مع ازمات المنطقة ومصالح اقليمية متناقضة، لم تتناول الورقة "القواتية" ـ "العونية" تفاصيل سياسية حادّة، واكتفت بالعناوين العريضة، التي لا خلاف جوهرياً عليها، وهما يعرفان موقع كل منهما مما يسمى "استراتيجيات".
هذا كان قبل زيارة جعجع للمملكة العربية السعودية، وما لقيه من حفاوة استثنائية لم تعطَ لغيره، وهي تخصص عادة لرؤساء الدول ولكبار الزوار. والمطلع على البروتوكول السعودي يعرف أهمية هذا الاستقبال، وما يهدف إليه، وقد قيل الكثير في هذا المجال، ولن نكرره.
المهم أن جعجع بعد جدة لن يكون هو نفسه قبلها، وإن كان الرجل لم يخفِ يوماً ما يكّنه للمملكة، وكان من المدافعين الشرسين عن مواقفها من تطورات أزمات المنطقة، وبالاخص في ما خصّ "عاصفة الحزم"، يوم اكتفى كثيرون بالتفرج عن بعد.
لا شك في أن ما عاد به جعجع من جدة سيكون له التأثير المباشر على علاقاته المحلية، وبالاخص مع الطرف الذي تعتبره الرياض الذراع الأيمن للجمهورية الاسلامية الايرانية في لبنان وفي سوريا، أي "حزب الله"، وبالطبع مع حليفه الاستراتيجي "التيار الوطني الحر".
إلاّ أن من يعرف جعجع وكيف يفكر لن يفاجأ عندما يراه يفصل بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي، خصوصاً في ما يتعلق بورقة النوايا، وهي التي وضعت من أجل تبريد الساحة المسيحية، بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر في العناوين السياسية الكبرى.
ما سيقوله جعجع في المسألة السورية وفي تدخل "حزب الله" فيها لن يكون له أي تأثير مباشرعلى العلاقة المستجدة بين الرابية ومعراب، ولن يكون لها انعكاسات سلبية على الساحة المسيحية، على عكس ما يراهن عليه بعض القائلين بأن علاقة الرجلين قبل جدة شيء وما بعد جدة شيء آخر، وإن كان ثمة "نقزة" من حفاوة الاستقبال.
("لبنان 24")