قبل الأزمة – الزلزال التي أحدثتها إستقالة الرئيس سعد الحريري، مع ما شاب هذه الإستقالة من علامات إستفهام، كانت زيارة بطريرك انطاكيا وسائر المشرق بشاره الراعي للمملكة العربية السعودية طبيعية في أهميتها التاريخية، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها أول بطريرك إلى بلاد الحرمين الشرفين وقبلة الحجاج المسلمين من كل أقطار العالم، مع ما تعنيه بأهدافها وأبعادها من الدخول في مرحلة متقدمة من حوار بين الحضارات والديانات في شكل جدّي وعميق قد تمتدّ مفاعيله لأجيال وأجيال.
فقبل هذه الأزمة – العاصفة التي ضربت لبنان لم تكن المواضيع السياسية بمفهومها الحصري للكلمة لتحتل حيزًّا واسعًا من محادثات الراعي مع المسؤولين السعوديين وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان. وكان مقرّرًا أن تقتصر المناقشات على العموميات وعلى ما يمكن أن يوثّق العلاقات التاريخية بين المملكة ولبنان وما يربط بين الشعبين من علاقات ودّ وإحترام متبادل.
إلاّ أن إستقالة الرئيس الحريري وما رافقها من غموض وبلبلة داخلية وخارجية أملت على الراعي تغيير أولويات محادثاته، وهو الذي يعّول الكثير على ما ستسفر عنه لقاءاته مع الملك وولي عهده، خصوصًا أن مقاربته لموضوع العلاقات السعودية – اللبنانية ستتخطّى ظرفية المرحلة، على رغم أهميتها، وستخوض في عمق أسباب المشكلة القائمة وسبل معالجتها بحكمة وروية ودراية وعقلانية، بعيدًا عن المؤثرات السلبية التي يمكن أن ترتدّ ضررًا على مستوى العلاقة، التي لم تشبها ما يعكّر صفوها، خصوصًا أن ثمة مصالح مشتركة بين البلدين.
فما سيقوله الرئيس الحريري اليوم في مقابلته المقررة مع الزميلة بولا يعقوبيان عبر شاشة "المسقبل" سيوضح الكثير من الملابسات وسيضع النقاط على الحروف وسيردّ على الكثير من التساؤلات وعلامات الإستفهام حول أسباب الإستقالة وحول ما يُحكى عن إحتجاز حريته. وهذا الكلام قد يسّهل مهمة الراعي وسيعطيه سببًا إضافيًا لمطالبة المملكة بمزيد من الدعم للبنان، وهي التي لم تتخل عنه حتى في أحلك ظروفه، وأن تكون المعالجات لما تشكو منه المملكة، وهو بات أمرًا جليًّا وواضحًا، إنطلاقًا من حرص القيادة السعودية قبل غيرها على وحدة لبنان، أرضًا وشعبًا ومؤسسات، مع تكريس منظومة كانت قائمة حول خصوصية لبنان وتركيبته وتوازناته الداخلية، مقابل عدم لجوء بعض اللبنانيين إلى مواقف صادمة وإستفزازية لبعض الجهات الإقليمية، ومن بينها السعودية، والحفاظ على سياسة النأي بالنفس بكل ما تعنيه هذه السياسة من ضمانات للإستقرار الداخلي.
فهل ينجح البطريرك الماروني حيث فشل الآخرون، وهل يعود من الرياض بأجوبة شافية وبتطمينات ثابتة، فتكون زيارته تاريخية معنىً ومضمونًا.