بصرف النظر عن نجاح الرئيس سعد الحريري من خلال المقابلة التلفزيونية بإقناع اللبنانيين بحرية قراره بالإستقالة أم لا، وعلى الأغلب فَشِلَ بدليل ما كُتب على صفحات التواصل الإجتماعي، وبصرف النظر عن التأثر الذي بدا عليه وضعف الصياغة شكلاً ومضموناً، وبصرف النظر عن عشرات الأسئلة التي بقيت تدور في أذهان اللبنانيين ولم يجدوا لها أجوبة مع إنتهاء المقابلة، إلاّ أن الإطلالة التلفزيونية الأولى بعد الإستقالة، أكّدت بما لا يقبل الشك أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة من حياته السياسية، لن ينفع معها بعد اليوم التغاضي عن هذه الحقيقية، أو الهروب إلى الأمام من خلال تمسك الرئاستين الأولى والثانية بعدم قبول الإستقالة، والتعاطي معها على أنّها تمّت تحت الضغط .
أمّا اعتبار الرئيس عون أنّ كل ما يصدر عن الحريري من الرياض لا يمكن الإعتماد عليه، لن يجد له ترجمة عملانية، فالرجل سواء أكان مخيّراً أو مسيّراً في دوره الجديد فقد بدأ بتأديته، وعلى الأرجح سيستكمله بعد عودته تحت عنوان "تصويب التسوية التي كان هو نفسه أحد صانعيها" والتي أنهت الفراغ الرئاسي، فهذه التسوية لن تقبل السعودية بعد اليوم أن تكون على حساب مصالحها أو أن تهدد أمنها، وفي الوقت نفسه برزت إيجابية التأكيد على تصويب هذا المسار عبر التفاوض من خلال قول الحريري"قيام تسوية حقيقية مع حزب الله في الموضوع الإقليمي".
من هنا عودة الرئيس الحريري إلى بيروت ستكون للتأكيد على هذه الإستقالة ولوضع شروط جديدة لاستكمال التسوية أو للعودة عن الإستقالة، محورها "إلتزام الأفرقاء بسياسة النأي بالنفس وعدم الوقوف ضد الإجماع العربي وعدم مشاركة حزب الله بضرب استقرار الخليج". وسواء أطلقنا على هذه الشروط تسمية مطالب الرياض أم مطالب الحريري النتيجة واحدة: بيروت دخلت بقوة على خط الصراع الإيراني السعودي، والكرة رُميت في ملعب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومن خلفه حزب الله، وعدم انزلاق لبنان إلى محاذير أمنية يتطلب تنازلاً من حزب الله عن أدواره في المنطقة بدءاً من اليمن، بحيث تتهم السعودية حزب الله بتدريب جماعة الحوثيين وباطلاق الصاروخ البالستي باتجاه مطار خالد الدولي، وقد حدّد الحريري إطار هذا التوجه المطلوب من خلال الدفع باتجاه طاولة حوار، بندُها الوحيد الإستراتيجية الدفاعية ونأي حزب الله بنفسه عن حرب اليمن أو بتعبير أدق تراجع حزب الله عن دوره العسكري في اليمن، وبدا ذلك جلياً بقوله: "هل كان للسعودية موقف من حزب الله قبل حرب اليمن.. هناك فريق في لبنان يحاول ضرب الاستقرار الخليجي، ولا يمكن القول بأنّ صاروخ الحوثيين باتجاه الرياض أمر طبيعي، ولن أتحمّل مسؤولية أخذ لبنان إلى الخلافات مع الدول العربية، ونرفض أن تأخذنا إيران إلى محور ضد الدول العربية"، وبالتالي عدم سقوط التسوية منوط بهذا الشرط أو المطلب.
وعليه تكون الإستقالة أدّت دورها المطلوب إقليميا، أمّا في الشقّ الداخلي وفي قراءة للمقابلة رأت مصادر أنّ الحريري أقفل الباب على أيّ دور لأخيه بهاء الحريري على الساحة اللبنانية في المرحلة الراهنة، من خلال تأكيده على عودته القريبة حتّى أنّه ضرب موعداً لها خلال يومين أو ثلاثة. كما أنّه اعترف، والأرجح عن قصد، أنّ الإستقالة غير نافذة من دون تقديمها خطّيا لرئيس الجمهورية .
وسجلت المقابلة تراجعاً في لهجته القاسية تجاه ايران وحزب الله مقارنة بتلك التي سمعناها في بيان الإستقالة، من خلال إشارته إلى الجناح السياسي لحزب الله "لسنا ضد الحزب بالمنطق السياسي"، فاتحاً الباب الباب للتسوية من خلال إعادة الإعتبار لسياسة النأي بالنفس .
على قاعدة "هذه شروطنا وإلاّ..." أظهر الحريري موقف السعودية أنّه بالإمكان إنقاذ لبنان من الأزمة في حال التراجع عن استهدافها على الساحة اليمنية، وإلاّ فأنّ الصياغة السعودية الجديدة ستتوسع لتشمل قراراً بترحيل اللبنانيين العاملين في السعودية، وهو الأمر الذي أشار إليه الحريري بقوله "هناك 400 ألف لبناني في دول الخليج.. وسيتضررون إذا اتبع لبنان محوراً معيناً".