لم يكن مستغرَبًا على الإطلاق أن يعلِن رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتّحاد للبرلمان الروسيّ فيكتور بونداريف نهار أمس الأربعاء أنّ العاميْن الماضييْن شهدا زيادةً في عروض الدول الأجنبيّة بشأن نشرِ قوّاتٍ روسيّةٍ على أراضيها، ولا سيّما بعدما أصبح في حُكم المؤكَّد أنّ الإنجازات المبهرة التي تمكَّنت هذه القوّات من تحقيقها مؤخَّرًا في سوريا، عطفًا على ما كانت قد حقَّقته من إنجازاتٍ مماثِلةٍ في السابق، سواءٌ خلال الحرب الشيشانيّة عام 2000 أم خلال الحرب الجورجيّة عام 2008، سرعان ما أثبتت للعالم بأسره تفوُّق الجيش الروسيّ على الجيوش الأخرى بالمزايا التي يتمتَّع بها حاليًّا من حيث القدرة القتاليّة العالية والكفاءة الممتازة، بالإضافة إلى الإمكانّات التقنيّة المتطوِّرة لأسلحته ومعدّاته العسكريّة، الأمر الذي دفع بونداريف إلى القول: "من هذا المنطلق، سيزداد عدد العروض بشأنِ إنشاءِ قواعدَ عسكريّةٍ روسيّةٍ بشكلٍ كبيرٍ... وكبيرٍ جدًّا".
هذا الكلام، وإنْ كان قد استُتبِع على الفور باستطرادٍ ذكيٍّ مؤدَّاه أنّ روسيا لا تبذل في الوقت الراهن أيَّ جهودٍ عمليّةٍ لإعادة تكوين قواعدها العسكريّة القديمة في كلٍّ من كوبا وفيتنام، ولكنّ فحواه لا يُلغي بالضرورة فرضيّة تفكير القيادة الروسيّة جدّيًّا بمثل هذه الخيارات، سواءٌ في أميركا اللاتينيّة أو في جنوبِ شرقيِّ آسيا، حتّى ولو تمّ ذلك "بشكلٍ افتراضيٍّ بحتٍ"، على حدِّ تعبير بونداريف، وخصوصًا إذا أعدنا إلى الذاكرة أنّ هذا المسؤول الروسيّ نفسه كان قد أكَّد في وقتٍ سابقٍ لوكالة "سبوتنيك" على البديهيّة القائلة بأنّه "في ظروف العدوان الأميركيّ المتنامي، سيكون نشر القاعدة العسكريّة الروسيّة في كوبا خطوةً تستجيب مع مصالح وأمن روسيا"، تمامًا مثلما أكَّد في الموازاة على أنّه "يتعيَّن علينا أيضًا التفكير في إعادة القوّات البحريّة الروسيّة إلى فيتنام بموافقةٍ من حكومة هذه الدولة".
وإذا كانت هذه الفكرة قد جاءت بمثابةِ تحصيلِ حاصلٍ لما تستوجبه شروط المحافظة على المكانة التي باتت تحتلّها روسيا فوق المسرح السياسيّ العالميّ في ضوء كافّة إنجازاتها العسكريّة الآنفة الذِكر، فإنّ اللافت هنا هو أنّ أصداء كلام فيكتور بونداريف لم تكد تتردَّد عبر الأثير، حتّى سارع رئيس لجنة الأمن والدفاع في المجلس الوطنيّ السودانيّ الهادي آدم حامد إلى الإعراب عن استعداد بلاده لإقامةِ قواعدَ عسكريّةٍ روسيّةٍ على ساحل البحر الأحمر في إطار التعاون الاقتصاديّ والعسكريّ المتقدِّم بين موسكو والخرطوم، لافتًا إلى أنّ أهمّيّة هذا التعاون تكمُن في أنّه "يزيد من فرص وإمكانات السودان لكي لا يخضع للضغوطات الخارجيّة، في حال ظلَّ معتمِدًا على جهةٍ واحدةٍ"، وهو التعاون الذي كان الرئيس السودانيّ عمر البشير قد ناقش كافّة تفاصيله أثناء زيارته الأخيرة لموسكو مع كلٍّ من الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين ووزير دفاعه سيرغي شويغو.
من هنا، وبالنظر إلى ما يحمله التموضع العسكريّ الروسيّ المرتقَب جدًّا عند تخوم البحر الأحمر من دلالاتٍ استراتيجيّةٍ لا تقلّ أهمّيّةً عن التموضع الحاليّ المماثِل في البحر الأبيض المتوسِّط، أيْ في قاعدتيْ طرطوس وحميميم، يُصبح في الإمكان التكهُّن بأنّ الخطوة الروسيّة التالية على طريق استكمال هذه الاستراتيجيّة لن تقتصِر على استعادة القواعد العسكريّة السوفييتيّة القديمة في كوبا وفيتنام وحسب، وإنّما حيثما قُدِّر للتاريخ أن يُسجِّل أنّ "الاتّحاد السوفييتيّ مرَّ من هنا"، بما في ذلك، وعلى وجه الخصوص قاعدة بربرة في جمهوريّة أرض الصومال التي لا يختلف اثنان من الخبراء على أنّها توفِّر أفضل الفرص للتحكُّم بالمنافذ البحريّة بين المحيط الهنديّ وباب المندب وخليج عدن.. وحسبي أن أقول إنّ للحديث عن هذه القاعدة التي قُدِّر لي أن أزورها بينما كانت الولايات المتّحدة الأميركيّة تسعى إلى بسط سيطرتها عليها منذ عام 2001 تتمّة، حتّى ولو أنّ دولةً مثل الإمارات العربيّة المتّحدة رصدَت في مطلع العام الحاليّ ما يُقارب الخمسمئةِ مليونِ دولارٍ للاستثمار فيها، ولا تزال ترصد المزيد!