ما بين استهداف المدمِّرة الأميركيّة "يو إس إس كول" بعمليّة التفجير الشهيرة أثناء رسوِّها في ميناء عدن اليمنيّ يوم الثاني عشر من شهر تشرين الأوّل عام 2000 وما بين استهداف برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك ومقرّ البنتاغون في واشنطن بالهجمات التفجيريّة الأشهَر يوم الحادي عشر من شهر أيلول عام 2001، حدَث وأنْ قامت الولايات المتّحدة بوضعِ كلٍّ من السودان والصومال واليمن تحت مجهر أجهزتها الاستخباراتيّة والاستقصائيّة، سعيًا إلى رصد واستبيان مدى الخطر الفعليّ الذي يمكن أن تشكِّله على الأمن القوميّ الأميركيّ، قبل أن تُسارِع إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى الإعلان عن اعتزامها توسيع رقعة الحملة العسكريّة التي كانت قد شرَعت وقتذاك في شنِّها على الإرهاب في أفغانستان، لتشتمل على الدول المذكورة الثلاث، وذلك بعد مرورِ أقلَّ من شهرٍ واحدٍ على بدايتها، الأمر الذي كان كافيًا لتشجيع الرئيس الراحل علي عبد الله صالح على القيام بزيارته الرسميّة الأولى لموسكو، أسوةً بما فعله من قبلِه قادةٌ ومسؤولون رسميّون وحزبيّون عربٌ مثل ياسر عرفات ورفيق الحريري وطارق عزيز ومصطفى طلاس وعبد الرحمن شلقم وجورج حبش ونايف حواتمة وغيرهم، ولا سيّما بعدما بدا للجميع أنّ إدارة الرئيس فلاديمير بوتين الحديثة العهد تمكَّنت لتوِّها من قطع شوطٍ مهمٍّ على طريق استعادة مواقع روسيا على المسرح الدوليّ، قياسًا بما آل إليه الحال طيلة السنوات العجاف التسع التي تلت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ.
خلال تلك المرحلة، وبالنظر إلى أنّ القيادة الروسيّة رأت في التموضع الأميركيّ الجديد في آسيا الوسطى، منذ أيّامه الأولى، عنصرًا مريبًا من شأنه إلحاق الضرر بالمعادلة الاستراتيجيّة التي أرادت تكريسها في إطار السعي إلى تحصين أمنها القوميّ على خطِّ موسكو – بكين – طهران، فقد كان لا بدَّ لها من القيام بنقلاتٍ نوعيّةٍ حيثما استطاعت إلى ذلك سبيلًا في أماكنَ مختلِفةٍ من العالم، ممّا دفعها إلى التحرُّك على الفور في اتّجاهيْن اثنيْن، أحدهما شرقُ أوسطيٍّ تمثَّل في الإعلان عن إصرارها على التمسُّك بحقِّها في ممارسة دورها كاملًا كراعيّةٍ ثانيةٍ للعمليّة السلميّة في المنطقة، والآخَر أفريقيٌّ تمثَّل في الحيثيّات الناجمة عن إدراكها لأهمّيّة ضمان شروط حضورها بشكلٍ فاعلٍ عند تخوم المنافذ البحريّة بين المحيط الهنديّ وباب المندب وخليج عدن من أجل الحيلولة دون تمكين الأميركيّين من تكريس هيمنتهم بشكلٍ كاملٍ هناك.
الصدمات المتكرِّرة
وإذا كانت سنوات العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين قد حملت في سياقها الصدمة العربيّة تلو الأخرى لروسيا في الملفّ الشرق أوسطيّ، على غرار ما حصل مثلًا عندما علَّق الرئيس السوريّ بشّار الأسد على الدعوة التي وجَّهها وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف بشأن عقدِ مؤتمرٍ للسلام في موسكو، لدى انتهاء فعاليّات مؤتمر أنابوليس عام 2007، قائلًا بتهكُّمٍ: "وما هي الجدوى من عقْد مثل هذا المؤتمر في روسيا طالما أنّ أوراق اللعبة موجودةٌ في يد الولايات المتّحدة"، وذلك في معرِض ردِّه على سؤالِ أحدِ الصحافيّين الفرنسيّين عشيّة زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي لدمشق عام 2008، فإنّ النمط نفسه من حيث نوعيّة الصدمات التي تلقَّاها الكرملين في الملفّ الأفريقيّ لم يكن مختلِفًا على الإطلاق، ولا سيّما إذا أعدنا إلى الذاكرة أنّ ردود الأفعال الأوّليّة على قيام الأميركيّين باستنفار قِطعِ أسطولهم الحربيّ في مياه المحيط الهنديّ اعتبارًا من مطلع شهر تشرين الثاني عام 2001، كانت قد تمثَّلت في الموقف الذي عبَّر عنه رئيس "جمهوريّة أرض الصومال" الانفصاليّة محمد ابراهيم عقال عندما أعرب عن استعداده لاستضافة تلك القِطع في القواعد السوفييتيّة السابقة في بلاده، بما فيها قاعدة بربرة الشهيرة، قبل أن يتوصَّل الرئيس الصوماليّ الشرعيّ عبد القاسم صلاد حسن من جهته إلى إبرامِ صفقةٍ مع السفير الأميركيّ في جيبوتي دونالد ياماموتو، يغضُّ بموجبها النظر عن حصار الولايات المتّحدة لبلاده مقابِل شطبِ اسمه من القائمة الأميركيّة الخاصّة بـ "رعاة الإرهاب"، لتنتشِر في الموازاة ظاهرة قراصنة البحر الصوماليّين الذين راحوا يعبثون بأمن السفن التجاريّة وناقلات النفط، مستخدمين زوارقهم الخشبيّة البدائيّة في مناطق سيطرة البوارج الحربيّة العملاقة، ولو إلى حينٍ، الأمر الذي كان يجري على قدمٍ وساقٍ في ظلِّ صمتٍ، أو تواطؤٍ، سودانيٍّ ويمنيٍّ مريبٍ إلى أبعد الحدود.
"ربيع العرب"
هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيِّ نيّةٍ في السعي إلى إضافة المزيد من لوازم الإحباط على الخيبات العربيّة المتتالية فصولًا وملاحِقَ لها أوّلٌ وليس لها آخِر في حاضِرنا الراهن، ولكنّ الغرض منه يتمثَّل في وجوب الردّ على من يقولون في هذه الأيّام إنّ روسيا تأخَّرت كثيرًا في مجال التعاطي باحترافيّةٍ مع أزمات المنطقة، بما فيها الأزمة اليمنيّة، ولا سيّما أنّ واقع الحال يُثبِت أنّ العرب هم الذين تأخَّروا خلال السنوات السبع عشرة الماضية في ركوب موجة روسيا الحديثة الهادفة إلى بناء عالمٍ متعدِّد الأقطاب، يقوم على أسس المصالح المشترَكة والاحترام المتبادَل، وليس العكس.
ولمن يهمّه الأمر، فإنّ ثمّة أكاديميّين وخبراءَ روسًا كانوا قد حذَّروا منذ مطلع عام 2011 من أنّ الهدف الأساسيّ من وراء ما اتُّفق على تسميته مجازًا بـ "ربيع العرب"، يتمثَّل في السعي إلى الإطاحة بقادةِ أنظمةٍ عربيّةٍ، مهما بلغ مستوى "انبطاحيّتهم" أمام الولايات المتّحدة أو في مواجهة إسرائيل، فإنّهم لن يُساوموا في أيِّ حالٍ من الأحوال على مستقبل القدس الشرقيّة باعتبارها عاصمةً للدولة الفلسطينيّة.
وإذا كان الأكاديميّون والخبراء الروس قد أشاروا في حينه إلى أنّ القادة المعنيّين هنا، بعد وفاة الراحل ياسر عرفات، هم الرؤساء حسني مبارك وبشّار الأسد ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح، فإنّ هذه الإشارة لا بدَّ من أن تفتح نافذةً للتأمُّل في أبعادِ ودلالاتِ ما حدث البارحة على بُعدِ عدّةِ كيلومتراتٍ من صنعاء، تمامًا مثلما لا بدَّ من أن تفتح في المقابل بابَ الاحتمالات بشأن مستقبل القدس على مصراعيْه.. وحسبي أنّ كلمة السرّ تكمُن الآن، بأحرفٍ روسيّةٍ، ما بين القاهرة وما بين دمشق.