في غمرة التغطيات الإعلاميّة المتواصلة لتداعيات قرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بشأن اعتراف الولايات المتّحدة بمدينة القدس كعاصمةٍ لدولةِ إسرائيل، سُئل الخبير والمحلِّل السياسيّ الروسيّ فيتشلاف ماتوزوف أثناء استضافته أوّل من أمس الجمعة على شاشة "بي بي سي – عربي" عمّا إذا كان يعتقِد بأنّ حضور موسكو المتفاعِل في الشرق الأوسط، عَبْر البوّابة السوريّة، سيُتيح لإدارة الرئيس فلاديمير بوتين فرصةَ التحرُّك بشكلٍ منفرِدٍ ومستقلٍّ عن واشنطن في مجال إدارة ملفّ العمليّة السلميّة بين العرب والإسرائيليّين، فإذا به يُجيب عن السؤال ببراغماتيّته المعهودة قائلًا إنّ روسيا لم تبذُل يومًا أيَّ جهدٍ لإزاحة الجانب الأميركيّ بقَدْر ما سعت إلى تفعيل الجهود المشترَكة لرعاية مفاوضات السلام في إطار اللجنة الرباعيّة التي تضمُّها إلى جانب كلٍّ من الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة، وهي اللجنة التي كان الرئيس بوتين قد لعب دورًا بارزًا في إعادة إحيائها لدى استقباله نظيره الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات في قصر الكرملين، للمرّة الأولى، يوم الحادي عشر من شهر آب عام 2000.
وإذا كان قد قُدِّر لي أن أقوم يومذاك بتغطية وقائع القمّة الروسيّة – الفلسطينيّة عن قُربٍ، بينما لم يكن الرئيس بوتين قد أكمَل عامه الأوّل على رأس السلطة في بلاده بعد، فإنّ أبرز ما يمكن للذاكرة أن تسترجعه في هذا المجال، يتمثَّل في أنّ مجرَّد وصول الراحل عرفات إلى موسكو قادمًا من طهران، بعدما كان قد أجرى محادثاتٍ هناك مع كلٍّ من الرئيس الإيرانيّ محمد خاتمي ووزير الخارجيّة كمال خرازي ورئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام علي أكبر هاشمي رفسنجاني، حمَل في طيّاته ما يكفي من الدلالات للتأكيد على حالة الإحباط والاختناق التي وصل إليها الفلسطينيّون جرّاء استفراد الولايات المتّحدة في إدارة ملفّ مفاوضاتهم مع الإسرائيليّين، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الجولة الخاصّة بتحديد مستقبل مدينة القدس التي رعاها الرئيس بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإيهود باراك في كامب ديفيد كانت قد وصلت لتوِّها (وقتذاك) إلى طريقٍ مسدودٍ، الأمر الذي دفع القيادة الفلسطينيّة إلى البحث عن بارقةِ أملٍ ومتنفَّسٍ للخروج من نفق اتّفاق أوسلو المظلِم الطويل.
روسيا والسلام
وعلى رغم أنّ إحدى تجلّيات الغرض من وراء زيارة الرئيس الفلسطينيّ الراحل لموسكو بدت في حينه وكأنّها تندرج في سياقِ خطوةٍ تستهدف استكشاف المدى الذي يمكن أن تذهب إليه القيادة الروسيّة الحديثة العهد في مجال إعادة الاعتبار إلى مكيال التوازن الدوليّ مع واشنطن، قياسًا بالتراجع الذي تمّ تسجيله في هذا المضمار خلال السنوات التسع العجاف التي تلَت تفكُّك الاتّحاد السوفييتيّ بين عاميْ 1991 و2000، فإنّ ذلك المدى سرعان ما تبلوَر في ضوء المواقف التي دأبت إدارة الرئيس بوتين على إطلاقها بشأن اعتزامها العمل على استعادة دورها كاملًا كراعيّةٍ ثانيةٍ للعمليّة السلميّة في الشرق الأوسط، الأمر الذي ما لبث أن جعل الأبواب الروسيّة مشرَّعةً لاستقبالِ عددٍ كبيرٍ من المسؤولين العرب، مثل علي عبد الله صالح ورفيق الحريري وطارق عزيز ومصطفى طلاس وعبد الرحمن شلقم وجورج حبش ونايف حواتمة وغيرهم، تمامًا مثلما جعل الأبواب نفسها مشرَّعةً أيضًا لاستقبالِ عددٍ كبيرٍ من المسؤولين الإسرائيليّين الذين هرولوا تِباعًا فيما بعد لاستكشاف ما أراد ياسر عرفات استكشافه في الأصل، ومن بينهم موشيه كاتساف وأرييل شارون وشمعون بيريز وبنيامين نتنياهو.
ثوابت بوتين
على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان القول إنّ روسيا الحديثة، أيْ روسيا فلاديمير بوتين، حدَّدت منذ البداية استراتيجيّتها في الشرق الأوسط وفقًا لما تقتضيه أصول المحافظة على المرجعيّات الدوليّة ذاتِ الصلة بمدِّ وجزْرِ الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، من دون المهادنة على حقِّها في لعب ما يليق بمكانتها من أدوارٍ فاعِلةٍ على مسرح السياسة العالميّة، حتّى ولو استشرس الأميركيّون في محاولاتهم المتكرِّرة لانتزاع هذا الحقّ منها، بدءًا من عهد بيل كلينتون، مرورًا بعهديْ جورج دبليو بوش وباراك أوباما، ووصولًا إلى عهد الرئيس الحاليّ (غريب الأطوار) دونالد ترامب، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ هذه الاستراتيجيّة كانت وما زالت وسوف تبقى قائمةً على ثوابت الموقف الذي كان الرئيس بوتين قد عبَّر عنه لدى انتخابه قبل سبعة عشر عامًا عندما قال ما حرفيّته: "إنّ روسيا الاتّحاديّة دولةٌ ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوّة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخَرين، وليس ضدَّهم، من أجل بناءِ عالَمٍ متعدِّدِ الأقطاب".
وعلى هذا الأساس أيضًا، يُصبح في الإمكان تفهُّم السبب الذي دفع الخبير والمحلِّل السياسيّ الروسيّ فيتشلاف ماتوزوف إلى الإصرار على القول في مداخلته أوّل من أمس الجمعة على شاشة "بي بي سي – عربي" إنّ التفوُّق الروسيّ الأخير في الحرب على الإرهاب في سوريا لا ينطوي على أيِّ نيّةٍ في شطب مصالح الأميركيّين وإلغائها من الحسابات في المنطقة بقَدْر ما يستهدِف إعادتهم إلى الامتثال بقوانين الشرعيّة الدوليّة، وهي القوانين التي لا يختلف اثنان من المتابعين لوقائع اجتماع مجلس الأمن الطارىء الأخير في مقرّ الأمم المتّحدة في نيويورك حول قرار "الاعتراف الترامبيّ" بالقدس كعاصمةٍ لإسرائيل على أنّ السفيرة الأميركيّة نيكي هايلي باتت تُدرِك، أكثر من غيرها بكثيرٍ، أهمّيّة تكاتُف دول المجلس بأجمعها في مواجهة إرهاصات القرار المذكور.
حلّ الدولتين
من هنا، وبالنظر إلى أنّ براغماتيّة روسيا في التعاطي مع الملفّ الشرق أوسطيّ أوصلتها إلى حدٍّ من النضوج يحتِّم عليها التمسُّك بمبدأ حلّ الدولتين لتسوية النزاع بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، بحيث تكون القدس الشرقيّة عاصمةً للدولة الفلسطينيّة، وليس أبو ديس أو سواها، فإنّ المعطيات المتوافرة من موسكو تؤشِّر إلى أنّ الجهود الديبلوماسيّة الروسيّة تتركَّز في الوقت الحاليّ على السعي في اتّجاهيْن اثنيْن، أوّلهما حثِّ الرئيس ترامب على العدول عن قراره الانتحاريّ المجنون بما يضمن إعادة إبرة بوصلة العمليّة السلميّة إلى مسارها الصحيح، وثانيهما ضبط إيقاع حركة الاحتجاجات على هذا القرار في الشارع بما يضمن الحيلولة دون الدخول في متاهات "ربيعٍ عربيٍّ جديدٍ"، علمًا أنّ لا أحدَ في روسيا، قيادةً وشعبًا، يُشكِّك في أحقيّة تلك الاحتجاجات بقَدْر ما يسعى إلى التحذير من عواقبها الوخيمة إذا ما قُدِّر للأصابع الخارجيّة أن تُحرِّكها، على غرار ما حدَث في بلاد العرب خلال الأعوام السبعة الماضية.. وحسبي أن أقول إنّ الروس على حقٍّ هنا طالما أنّ حقَّ الفلسطينيّين في القدس لا يزال حاضِرًا بقوّةٍ في أدبيّاتهم، تمامًا مثلما لا يزال حاضِرًا برسوخٍ في ذاكرة الإيرانيّين منذ أن رفع الراحل ياسر عرفات شعاره الشهير بمناسبة انتصار الثورة الإسلاميّة على نظام الشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 قائلًا: "اليوم إيران، وغدًا فلسطين".. وحسبي أن أقول أيضًا إنّ على الرئيس محمود عبّاس أن يأخذ العِبرة من تجارب الماضي جيِّدًا، واليقين.. والخير دائمًا من وراء القصد.