على رغم أنّ نتائج آخِر استطلاعٍ للرأي حول شعبيّة الرئيس فلاديمير بوتين كانت قد أظهرت الأسبوع الماضي بكلِّ وضوحٍ وشفافيّةٍ أنّ أكثر من ثلاثةٍ وثمانينَ في المئة من المواطنين الروس يؤيّدون فوزه بولايةٍ رئاسيّةٍ جديدةٍ العام المقبل، فإنّ هذه النتائج لم تحُل دون ذهاب مخيِّلة عددٍ من المحلِّلين إلى حدِّ الادّعاء بأنّ ما أعلنه البارحة من قاعدة حميميم العسكريّة قرب اللاذقيّة عن بدء انسحاب القوّات الروسيّة من الأراضي السوريّة يدخل في إطار حساباتٍ ومصالحَ انتخابيّةٍ بحتةٍ، لا أكثر ولا أقلّ، وهو ادّعاءٌ يبدو أنّ الهدف من ورائه يتمثَّل في مجرَّد السعي إلى التعتيم على الدور البارز الذي لعبته روسيا مع حلفائها المحلّيّين والإقليميّين في تكبيد تنظيم "داعش" الإرهابيّ هزيمته النكراء في سوريا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ حصيلة كافّة المواقف التي صدرت خلال الساعات القليلة الماضية عن بعض رموز المعارَضة السوريّة حول هذا الموضوع، وتحديدًا في الرياض واسطنبول، بدَت وكأنّها مكمِّلةٌ للموقف الذي كان وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان إيف لو دريان قد عبَّر عنه قبل عدّةِ أيّامٍ عندما قال إنّه من المفاجئ أن "تخطف" روسيا أمجاد النصر في سوريا من قوّات التحالف الدوليّ، الأمر الذي سرعان ما دفع على الاعتقاد بوجود حملةٍ إعلاميّةٍ ممنهَجةٍ تستهدف الترويج لباطلٍ يُراد تسويقه على أنّه حقّ.
وإذا كانت المتحدِّثة باسم وزارة الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا قد سارعت إلى الردّ على الوزير الفرنسيّ بالقول إنّه يتعيَّن على الشركاء الغربيّين لروسيا أن يتذكّروا "إنجازاتهم" في العراق وليبيا وأفغانستان، بدلًا من محاولة سرقة النجاحات العسكرية التي حقَّقتها موسكو في سوريا، فإنّ وزارة الدفاع الروسيّة لم تتأخَّر بدورها في توجيه الانتقادات لنشاطات التحالف الدوليّ بقيادة الولايات المتّحدة فوق الأراضي السوريّة، مذكِّرةً في أحد بياناتها بأنّ السنوات الثلاث من عمر هذا التحالف لم تسجِّل له أيَّ إنجازٍ في مجال تحقيق هدفه الأوّل في محاربة "داعش" إلّا منذ فترةٍ قصيرةٍ من خلال تدمير الرقّة مع المدنيّين بقصفٍ عنيفٍ.
شعبيّة بوتين
لا شكّ في أنّ سيل الأمثلة الخاصّة بتفوُّق روسيا على الولايات المتّحدة في ملفّ مكافحة الإرهاب له أوّلٌ وليس له آخِر، ولن يصبَّ في مصلحة الأميركيّين بأيِّ شكلٍ من الأشكال، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مجرَّد نظرةٍ واحدةٍ بالعين المجرَّدة إلى ما آلت إليه الحرب الروسيّة على الإرهاب في الشيشان، قبل سبعة عشر عامًا، ستكون كافيةً لإقناع الرائي بأنّ النصر الذي تحقَّق هناك سرعان ما تمّ تجييره لإعادة الإعمار، ولدرجةِ أنّ العاصمة المدمَّرة غروزني ما لبثت أن أصبحت إحدى أهمّ العواصم الإسلاميّة الحضاريّة في العالم، وذلك على النقيض تمامًا لما آلت إليه الحرب الأميركيّة على الإرهاب في أفغانستان، خلال الفترة نفسها، حيث لا نصرَ تحقَّق فيها لغاية يومنا الراهن ولا من يحزنون.
ولكنْ بالعودة إلى أبعاد الحملة الإعلاميّة الآنفة الذكر التي تستهدف اختزال مفاعيل انتصار روسيا وحلفائها على الإرهاب في سوريا عن طريق تصويره على أنّه حاجةٌ انتخابيّةٌ ملحَّةٌ للرئيس بوتين، فإنّ اثنين من المتابعين للسيرة البوتينيّة عن قُربٍ لا يمكن أن يختلفا على أنّ هذه الحملة تعكس في مجملِها قُصر نظر مطلِقيها، وذلك لسببٍ واحدٍ مؤدّاه أنّ شعبيّة الرجل كانت قد تجاوزت في الأصل نسبة الثمانين في المئة في أوساط الناس قبل عامٍ كاملٍ من بداية مرحلة انخراطه المباشِر في الحرب السوريّة.
ولمن يهمّه الأمر بلغة الأرقام، فإنّ فلاديمير بوتين حصل في أوّل معركةٍ انتخابيّةٍ خاضها عام 2000 على نسبةِ ثلاثةٍ وخمسينَ في المئة من مجموع الأصوات، ثمّ حصل في المعركة الثانية عام 2004 على أربعةٍ وستّينَ في المئة، وهي المعركة التي أهَّلته لقيادة البلاد لولايةٍ رئاسيّةٍ ثانيةٍ لم تكد توشك على نهايتها عام 2008 حتّى طالبه الروس بإجراءِ تعديلٍ دستوريٍّ يُجيز له الترشُّح لولايةٍ ثالثةٍ، نظرًا لأنّ الدستور الروسيّ لا يسمح بذلك.
وإذا كان الرئيس بوتين قد قرَّر في حينه عدم الإقدام على تلك الخطوة، مفسِحًا المجال أمام خلَفه وقتذاك وسلَفه حاليًّا ديمتري ميدفيديف لتسلُّم مقاليد الحكم في قصر الكرملين، فإنّ فوزه في انتخابات عام 2012 تمّ إثر حصوله على نسبةٍ وصلت إلى أكثر من سبعينَ في المئة من مجموع الأصوات، ولكنْ لولايةٍ رئاسيّةٍ تستغرق ستَّ سنواتٍ وليس أربعَ سنواتٍ هذه المرّة، بعدما أُجريَ تعديلٌ دستوريٌّ بهذا الخصوص، الأمر الذي يعني في المحصِّلة النهائيّة أنّ شعبيّته ظلّت تُسجِّل ارتفاعًا تصاعديًّا طيلة السنوات السبعَ عشرةَ الماضية، وبالتالي، فإنّ على العالم الاستعداد للتعاطي معه لغاية عام 2024 على أقلّ تقدير، وخصوصًا في مجال التجاوب مع ثوابته القائمة على ركائز دعوته المستمرّة إلى بناءِ عالمٍ متعدِّدِ الأقطاب.
الوضوح البنّاء
على هذا الأساس، رأينا كيف قُدِّر للرئيس بوتين، ما بين صباح نهار أمس الاثنين وما بين مسائه، أن يُوجِّه في غضون ساعاتٍ قليلةٍ فقط ما يحلو له من رسائلَ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ واقتصاديّةٍ أثناء زياراته الخاطِفة لكلٍّ من سوريا ومصر وتركيا، معتمِدًا على عناصر النجاح التي وفَّرتها له نقلاته النوعيّة على الساحتين الدوليّة والإقليميّة، بدءًا من الإعلان عن سحب قوّاته من الأراضي السوريّة مع ضمان مقوِّمات تدخُّلها مجدَّدًا عند الضرورة بما يوفِّر المناخ الأكثر ملاءمةً للمضيّ قُدمًا في العمليّة السياسيّة، سواءُ في سوتشي أم في جنيف، مرورًا بالتأكيد على أنّ قرار الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الأخير حول القدس "يصبّ الزيت على النار" ويستوجب إطلاق مفاوضاتٍ فلسطينيّةٍ – إسرائيليّةٍ على الفور، ووصولًا إلى ترسيخ مفاهيم الشراكات القائمة على قواعد الاحترام المتبادَل مع كلٍّ من الرئيسيْن المصريّ عبد الفتاح السيسي والتركيّ رجب طيّب أردوغان، وهي النقلات التي إنْ دلّت إلى شيءٍ، فهي تدلّ إلى أنّ أكثر ما يحتاج إليه العالم في الوقت الراهن هو التمسُّك بمبدأ "الوضوح البنّاء" في مواجهة مبدأ "الغموض البنّاء"، ولا سيّما أنّ تجارب السنوات السبع الماضية من عمر "ربيع العرب" أثبتت بما لا يترك أيَّ مجالٍ للشكّ أنّ "الفوضى الخلّاقة" لم تخلِّف وراءها سوى المزيد من الفوضى غير الخلّاقة.. وحسبي أنّ الأميركيّين أصبحوا يُدركون نتيجة هذه المعادلة جيِّدًا، ولكنّهم لا يزالون يُكابِرون.. ويتكابَرون!