قيل الكثير في اليومين الأخيرين ردّا على قرار الرئيس الأميركي دوناد ترامب الإعتراف بها عاصمة لدولة إسرائيل وأصدار أوامره بنقل سفارة بلاده من تل ابيب إلى القدس، التي لا تزال غصبًا عمن يشّوه التاريخ والحضارة عاصمة لفلسطين.
ولو كانت الكلمات كافية لكان ترامب تراجع عن قراره، ولكانت القدس باقية على حالها في إنتظار إنتصار الحقّ على الباطل.
ولأننا أشطر من غيرنا بإطلاق الشعارات ولا نعرف سوى إعلان التضامن اللفظي والكلامي فإن المتطاولين على تاريخ القدس ورمزيتها مستمرون في غيّهم وفي ضرب كل الأعراف والمواثيق الدولية بعرض الحائط، غير آبهين بما قيل ويقال، وهم الذين لا يعرفون سوى لغة واحدة، وهي لغة الحديد والنار.
فإستعادة القدس لا تكون بكثرة الكلام، إذ ليس كل من يقول يا قدس يدخلها، على رغم أهمية ما سُجل من وقفات تضامن، وبالأخص في لبنان، الذي يعرف أكثر من غيره معنى أن تكون السيادة ناقصة ومنتهكة، وهو الذي قاوم الإحتلال الإسرائيلي وطرده من أرضه يوم كان الآخرون يتنزّهون في كان والكوت دازور ويتشمسّون تحت شمس ميامي واكابولكو.
ولكن؟
وقبل هذا وذاك هل يّتذكر أي عربي أنه زار القدس وتبارك بترابها وتسنى له الصلاة في المسجد الأقصى أو في كنيسة القيامة؟
فالقدس ممنوع علينا زيارتها قبل قرار ترامب وحتمًا بعده، وممنوع على المسلم وعلى المسيحي غير الفلسطيني أن تطأ قدماه العتبات المقدسة، وهي تبقى مشتهًى لكل مؤمن، وحتى الفلسطينى تُفرض عليه إجراءات غير إنسانية في كل يوم جمعة عندما يريد الصلاة في الأقصى.
حرقة في قلب كل مؤمن بربه وبالقضية أن القدس القريبة منّا بالفكر والقلب بعيدة عنا بعد السماء عن الأرض.
أذكر أنه قبل نكبة الـ 67 وقبل أن تصبح القدس محرّمًا علينا زيارتها أن أغلبية اللبنانيين من آبائنا وأمهاتنا كانوا يحلمون باليوم الذي يُقدّر لهم فيه زيارة الأراضي المقدسة، من بيت لحم حيث ولد المسيح، إلى الناصرة حيث نشأ وترعرع وأعلن مجده، إلى بستان الزيتون، حيث صلى صلاته الأخيرة ليسلم ويصلب على الجلجلة، إلى كنيسة القيامة، حيث انتصر على الموت، وإلى كل الأمكنة التي صنع فيها أعاجيبه الشفائية وأقام اليعازر من الموت وأبنة قائد المئة، إلى بحيرة طبريا، حيث مشى على المياه.
أمام هذا الواقع الأليم، وأمام تسلط المتسلطين، وأمام القرارات التي لا تعترف لا بالتاريخ ولا بقدسية المكان، لا نملك سوى الكلمات للتعبير فيها عمّا يحزّ في أنفسنا من حسرة وما يعتصر قلوبنا من ألم، وما لم نفعله من أجل عروبة القدس وأهلها.
إنها الكلمات التي نؤمن بأن لها فعل المدافع والصواريخ، وأنها الكفيلة بأن تدحرج في يوم من الايام، وهو لا بدّ آتٍ، الحجر عن القبر ليبزغ فجر القيامة من جديد، ويعود المجد إلى أصحابه مع صلاة الفجر وآذان الصبح.