تصاعدت حدّة المواجهات بين الرئيس سعد الحريري من جهة والوزير السابق أشرف ريفي من جهة أخرى، فحدود التّماس المرسومة سعودياً بين حلفاء الأمس لم تعد صالحة على ما يبدو، والخط الأزرق الفاصل بين الرجلين تم تخطيه من الجهتين المتنازعتين على شعبية شمالية تشكّل مدينة طرابلس ثقلها الرئيسي.
فجأة قرر الحريري "بق البحصة" وشغل أغلب وسائل الإعلام، إذ عنونت معظم البرامج السياسية حلقاتها بسؤال حول من "من قصد الحريري عندما قال سيبقّ البحصة"؟ وكان الحريري قد اختار برنامج "كلام الناس" لتفجير المفاجأة قبل أن يعدل عن فكرته مؤقتاً بحسب بعض المقرّبين، ليفاجئ مقدم البرنامج مارسيل غانم الذي علم بخبر التأجيل من وسائل الإعلام بحسب تصريحه لبرنامج "العين بالعين" ليلة أمس، مضيفاً بأن سبب التأجيل هو تمرير فترة الأعياد بهدوء بناء على طلب الحريري. ولكنّ الرئيس "المتريث" عن الحلقة سلّم في المقابل مفتاح الكنز المفقود لأمينه المؤتمن أحمد الحريري الذي وجه سهامه بشكل مباشر باتجاه ريفي مطلقا عبر قناة "الجديد" قنبلة نوعية، متهماً إياه بضرب علاقة الحريري بالمملكة العربية السعودية قبل أن يستطرد: "هناك الكثير على شكل ريفي وغيره، كانت زوّادتن من سعد الحريري، ثم باعوها واشتروا فيها خناجر ليطعنوا سعد الحريري".
بدوره لم يوفر "ريفي" فرصة مذ خرج من عباءة المستقبل إلا واستغلها في التصويب على الرئيس الحريري متهما إياه عدة مرات بالتخاذل وبتسليم البلد إلى حزب الله، خطاب دأب الوزير السابق على ترداده منذ أن شكل حالته السياسية الخاصة وجعل من خطابه عالي السقف رافعة لها.
الخلاف القديم الجديد لم يقتصر هذه المرة على التصريحات والتغريدات على مواقع التواصل الإجتماعي إذ انتقلت مفاعيله إلى الشارع حيث كانت أولى إرهاصاته رفع لافتات بمناطق نفوذ تيار المستقبل في بيروت تصف "ريفي" بالخائن، خطوة وصفها مراقبون بالمتقدمة والخطيرة! فلولا غض الطرف من قِبل تيار المستقبل لما رفعت هذه اللافتات دون أن تتحرك الجهات المختصة التي يشرف عليها وزير الداخلية نهاد المشنوق والتي غالبا ما تتحرك بسرعة عند وقوع أحداث مشابهة.
لغة اللافتات واللافتات المضادة لم تتسلل بعد إلى الخلاف القائم بين الرئيس سعد الحريري ورئيس حزب القوات سمير جعجع على الرغم من القلوب "المليانة" بين الرجلين والتشنّجات التي نتجت عن استقالة الحريري، وهنا يبرز السؤال لماذا وصلت الأمور مع ريفي إلى نقطة اللاعودة بينما بقي الخلاف مع جعجع مضبوط الإيقاع؟ "تعاملنا مع الرئيس الحريري على أنه رئيس محترم فيما فضل غيرنا التعامل معه كرئيس مستضعف و ننتظر موقفه ليبنى على الشيء مقتضاه" يقول نائب القوات أنطوان زهرا بتصريح على شاشة الـ MTV والذي بدا وكأنه أقرب إلى التبرّؤ من تهمة التقرّب من ريفي على حساب الحريري متمسّكاً بشعرة معاوية بين الطرفين، إذ "لا مبارزة انتخابية مع جعجع" ولا صراع زعامات وبالتالي سيبقى السقف محدودا بحسب المعطيات خاصة مع إعلان أحمد الحريري بأن اللقاء مع جعجع قد يحصل في أي لحظة، أضف إليه عدم انجرار حزب القوات الى الردّ على عدد من الإستفزازات التي انتشرت على مستوى الناشطين عبر هاشتاغ #بين_قريطم_ومعراب والذي تم من خلاله التصويب على القوات وجمهورها دون اي رد قواتي يُذكر.
كل المؤشرات اليوم أو على الأقل العلنية منها تصبّ في خانة واحدة وهي بأن الطلاق الأخير قد وقع بين الحريري وريفي، فمساعي التهدئة التي تراءت منذ فترة سابقة يبدو وكأنها أطفأت محركاتها بعد تلميح "البحصة"، فمن سيكون المستفيد من هذا الخلاف؟ وما مدى تأثير الحرب الكلامية على الشارع السني والطرابلسي تحديدا؟ ومن سيدفع ثمن النبرات العالية غير المحسوبة؟
من ناحية أخرى أطلق مستشار رئيس الجمهورية للتعاون الدولي الوزير السابق "إلياس بوصعب" موقفا لافتا ذو دلالات هامة إذ اعتبر بأن التيار الوطني الحر وتيار المردة يسيران في نفس الخط الإستراتيجي في السياسة، موقف قد يحمل في طياته غزلا للمردة وقد يؤسس لتفاهمات جديدة في المستقبل تقول مصادر مواكبة للطرفين.
في ظل كل هذا الخلط الحاصل والإشتباكات السياسية التي تأخذ منحى تصعيديا بين أغلب الأفرقاء، يبادر إلى أذهان الكثيرين خطاب "المظلات الآمنة" الذي يرخي بعقلانيته على الشارع اللبناني عموماً ليبتعد عن التحريض وحقن الغرائز، فيبرز الخطاب الوسطي الذي أتقنه السياسي الهادئ نجيب ميقاتي من منطق "صفر مشاكل" بعيدا عن تسجيل النقاط والمزايدات الشعبية، منطقٌ يبدو أننا بتنا بأمسّ الحاجة اليه اليوم للإبتعاد عن المحيط الملتهب والخطاب المتطرف والنكايات العمياء ولا بدّ أن نعترف جميعا بأننا لو نأينا بأنفسنا يومها لما وصلنا إلى حالة التشنج المقرونة بلعبة شد الحبال بين هذا وذاك.
بعيدا عن ضوضاء المعارك السياسية المتواصلة، يحتاج لبنان بلا أدنى شك إلى مظلة أمان تقيه شر العبث باستقراره، الأمر الذي لن يحصل الا بالتكاتف بين جميع أبنائه ومكوناته دون استثناء، وبعدم الإخلال بالثوابت وعلى رأسها المحافظة على الركائز الوطنية المبنية على الخطاب المعتدل بالدرجة الأولى وعلى نبذ التطرف والفتنة من أي جهة أتت. وبانتظار "بقّ البحصة" عسى بعد ذلك ان تصدح الحناجر بما فيه خير هذا الوطن!
(إيناس كريمة - خاص "لبنان 24")