خطا لبنان أمس خطوة أولى، لكن مهمة، باتجاه إنتاج النفط والغاز من مياهه الإقليمية، وبالتالي دخوله "نادي الدول المنتجة"، وذلك عبر موافقة مجلس الوزراء بالإجماع في جلسته التي انعقدت في القصر الجمهوري في بعبدا، على توقيع اتفاق الاستشكاف والحفر والانتاج بين الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة الطاقة والمياه، وبين تحالف شركات "توتال" الفرنسية و"أيني" الإيطالية و"نوفاتيك" الروسية، وسيتم توقيع العقود مع تحالف الشركات الثلاث بعد عطلة رأس السنة، على ان يبدأ العمل باستكشاف الحقول في البلوكين 4 و9 العام المقبل، والحفر والتنقيب العام 2019.
خبر صغير لكنه لحظة فارقة بكل المعايير على المستوى الوطني والاقتصادي، وعلى صورة لبنان وموقعه في السياسة والاقتصاد والمال وسوق العمل والتأثير والتأثر، لكن كل ذلك لا يلغي أسئلة وهواجس ومخاوف، تتصل بتفصيلات من بعد الإقرار كالمهل، وحصة الدولة من عائدات الانتاج، والعقود الفرعية والتشغيلية، وضوابط الشفافية وكل ما له علاقة بالذهنية اللبنانية في إدارة القطاع العام، وخصوصاً إذا كان منتجاً.. وقديما قيل إن من اكتوى من الحليب ينفخ على اللبن.
ما يزيد الأمر أهمية، أن لبنان يخطو خطوة للمستقبل فيما المنطقة العربية تغلي، والغليان ليس صورة مجازية بل تكاد تكون وصفاً حرفياً لما يحصل في دول الإقليم من حروب ونزاعات، وتعكس حجم المشكلات التي يواجهها الشرق الأوسط، سواء المزمنة والمتوارثة منها أو الطارئة.
في فلسطين، لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، والشروع في إجراءات نقل السفارة الأميركية إليها، قراراً أرعناً آخر من الرئيس الأميركي، النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني نزاع طويل ومستمر، وموقف ترمب هو في النهاية مجرد محطة من محطاته، ولا يمكن لموقف تتخذه دولة، حتى لو كانت دولة عظمى، أن يغيّر طبيعة الأشياء ومسار الأمور، وتاريخ القضية الفلسطينية شاهد على ذلك. وخلاصة الأمر أنه لا يمكن حل هذا النزاع على قاعدة استضعاف طرف وإرغامه على التسليم بالأمر الواقع، وإذا كان ترامب لا يعرف فليسأل الإسرائيلي الذي جرّب عناد وصبر الفلسطينيين.
في العراق، ورغم إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رسمياً "هزيمة داعش" و"انتهاء الحرب"، إلا أن كل التقديرات تشير إلى أن الخلل السياسي الكبير وطغيان الحالة المذهبية القائمة في بلاد الرافدين، يجعل من بناء دولة في بلد "الحشد" المذهبي مسألة صعبة، ناهيك عن مخاوف انتاج نسخ أكثر شؤماً من "داعش".
في اليمن، ليس تفصيلاً أن يقتل رئيس حكم بلدا ًلأكثر من ثلاثة عقود، على يد ميلشيات مذهبية، ويدفن وكأن شيئاً لم يحصل. بصرف النظر عن سياسات الرجل وتقلباته، ليس تفصيلاً أن تتولى ميليشيا ممثلة لأقلية وبالاستناد إلى دعم إقليمي فرض هيمنتها على بلد فيه كل التاريخ والجغرافيا والانتماء والعراقة والجذور.
في سوريا، ورغم سيل الأخبار التي تدّعي انتهاء الحرب، إلا أن لقطة لا تتجاوز الثواني القليلة من على أرض مطار حميميم خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تمثلت بمنع رئيس النظام من مرافقة بوتين في لحظة معينة... تشي بالكثير، وتزعزع كل ما تقوله التقارير.
المنطقة تغلي، وقد استطاع لبنان استنقاذ استقراره الداخلي بالحدّ الأدنى من الخسائر حتى الآن، وكما في فلسطين والعراق واليمن وسوريا وغيرها، ما لم يتم الانحياز بشكل كامل لمشروع بناء الدولة على حساب سياسات الهيمنة والتدخلات والمليشيات. إنجاز النفط يعني أن الإرادة الوطنية بدعم دولي ملحوظ تدفع بالاستقرار إلى مزيد من الترسيخ على الرغم من التداعيات الجارية في المنطقة.
وبعيداً عن النوايا والطموحات، يبقى التحدي الأكبر في حماية الثروة الوطنية من الجشع والمحاصصة ودهاليز الفساد.