على رغم أنّ قيام الولايات المتّحدة الأميركيّة باستخدام حقّ النقض في مجلس الأمن الدوليّ ضدّ مشروع قرار مصر المتعلِّق بمستقبل مدينة القدس جاء كتحصيلِ حاصِلٍ لطبيعة العلاقات النمطيّة التي ظلَّت تتسيَّد المشهد العامّ على مرِّ التاريخ الحديث ما بين إدارات البيت الأبيض وما بين حكّام الدولة العبريّة، بمعنى أنّ "الفيتو الأخير" لم يكن أكثر أو أقلّ من إجراءٍ متوقَّعٍ خَلَت تجلّياته تمامًا من أيِّ عنصرٍ من عناصرِ المفاجأة، فإنّ الأنظار لا بدَّ من أن تتركَّز اعتبارًا من نهار أمس الاثنين وحتّى إشعارٍ آخَر على الخطوات العمليّة التي يُفترَض على الدولِ الأربعَ عشرةَ المؤيِّدةِ لمشروع القرار المصريّ الإقدام عليها في مجال حثِّ الرئيس دونالد ترامب على التراجع عن اعترافه المشؤوم مؤخَّرًا بالقدس كعاصمةٍ لدولة إسرائيل، ولا سيّما بعدما أصبح في حُكم المؤكَّد أنّ آليّات المواجهة المستخدَمة لغاية الآن، وفقًا لما أتاحته حصيلة المقرِّرات الصادرة عن قمّة منظّمة التعاون الإسلاميّ الأسبوع الماضي في اسطنبول، لم تصِلْ بعد إلى المستوى الذي يؤهِّلها لكي تكون فعَّالةً وحازِمةً وحاسِمةً أمام التحدِّيات المصيريّة المطروحة، ناهيك عن أنّ هشاشة الأمن القوميّ العربيّ المترتِّب على استمرار تفاقم الأزمات والخلافات الداخليّة بين مكوِّنات الأسرة الواحدة، من المحيط إلى الخليج، تجعل من الصعب التكهُّن بأنّ أيَّ رهانٍ على إمكانيّة حدوث الصحوة العربيّة المطلوبة لنُصرة القدس، بالأفعال والممارسات وليس بالأقوال والبيانات، سيكون في نهاية المطاف رهانًا رابحًا.
وإذا كان مشروع القرار المصريّ قد نصَّ على مجرَّد المطالَبة بما يمكن وصفه بـ "أضعف الإيمان" في إطار سلَّة المطالِب المشروعة للشعب الفلسطينيّ في إقامة دولته المستقلَّة فوق ترابه الوطنيّ، مثل دعوةِ المجتمع الدوليّ إلى "عدم الاعتراف بأيِّ تغييرٍ على حدود الرابع من حزيران عام 1967" في فلسطين التاريخيّة، وكذلك حثِّه على "الامتناع عن إقامةِ بعثاتٍ ديبلوماسيّةٍ في مدينة القدس، تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 478 لعام 1980"، فإنّ أكثر ما كان له وقْع الصدمة في الفيتو الأميركيّ سرعان ما تجلّى من خلال إصرار مندوبة الولايات المتّحدة في مجلس الأمن نيكي هايلي على الإشارة إلى القدس باعتبارها "كانت عاصمة اليهود لآلاف السنين ولم يكن لهم عاصمة أخرى"، وهو الإصرار الذي ما لبث أن دفع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى إطلاق تغريدةٍ عاجلةٍ على مواقع التواصُل الاجتماعيّ يشكر فيها المندوبة الأميركيّة لأنّها "هزمت الأكاذيب"، على حدِّ تعبيره، ليَدقَّ بذلك المسمار الأخير في نعش "حلّ الدولتين" الذي ادّعى يومًا، شأنه شأن الأميركيّين، بأنّه كان يسعى إلى التوصُّل إليه مع الفلسطينيّين، سواءٌ خلال عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات أم خلال عهد الرئيس الحاليّ محمود عبّاس، وليَضَع في نهاية جملته غير المفيدة نقطةً على السطر.
الكفاح المسلَّح
من هنا، يُصبح في الإمكان تفهُّم سرَّ تصاعُد الدعوات الفلسطينيّة في الآونة الأخيرة للانسحاب من "اتّفاق أوسلو" الموقَّع عام 1993، وكذلك لوضع "مبادرة السلام العربيّة" التي تمّ إقرارها أثناء انعقاد قمّة بيروت عام 2002 على الرفّ، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أحدًا من الفلسطينيّين لم يُقدَّر له أن يجني طيلة السنوات الماضية أيَّ ثمرةٍ من الثمار الموعودة جرّاء الالتزام بالاتّفاق أو بالمبادرة على حدٍّ سواء، الأمر الذي يتَّضح أكثر فأكثر عندما نعرف أنّ حجم المساعدات الأميركيّة والأوروبيّة والعربيّة المخصَّصة مجتمِعةً للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، على سبيل المثال وليس الحصر، لم يعُد يتجاوز أكثر من نسبةِ ستَّة عشر في المئة من إجماليّ الميزانيّة السنويّة العامّة، وهي النسبة التي يشي تراجعها المتواصِل، عامًا بعدَ عامٍ، بوجودِ نوايا أميركيّةٍ وأوروبيّةٍ وعربيّةٍ مبيَّتةٍ استهدفت السعي إلى خنق الصوت الفلسطينيّ بشكلٍ تدريجيٍّ وممنهَجٍ وبالِغِ الرذالة من حيث دلالاته التآمريّة الجليَّة للجميع، وذلك كلُّه خدمةً لاستمرار وضمان تفوُّق المشاريع الإسرائيليّة في المنطقة.
ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاحٍ في ضوء الواقع المظلم السائد في الوطن العربيّ خلال هذه المرحلة الانهزاميّة الراهنة هو: إلى أيِّ مدى يا ترى يمكن قياس منسوب الصحّ من الخطأ إذا ما قرَّر الفلسطينيّون المضيَّ قُدمًا إلى قدرهم المحتوم في العودة إلى خيار الكفاح المسلَّح في مواجهة إسرائيل؟
سؤالٌ، أغلب الظنّ أنّ الإجابة عنه لا بدَّ من أن تفتح نافذةً للتأمُّل في فحوى الموقف البراغماتيّ الذي عبَّر عنه مندوب روسيا في مجلس الأمن فلاديمير سافرونكوف نهار أمس الاثنين عندما جدَّد تأكيد بلاده على استعدادها للعب دور "وسيطٍ نزيهٍ" في تسوية الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ، وذلك في سياق إعلانه عن دعم بلاده الكامل لمبدأ إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ عاصمتها القدس الشرقيّة، ردًّا على الفيتو الأميركيّ.
الفرصة النادرة
وإذا كان سافرونكوف قد نقل إلى مندوبي الأسرة الدوليّة تحذيرات روسيا تجاه "الخطوات الأحاديّة" التي تتسبَّب في زيادة حدَّة الصراع بين الجانبيْن، وذلك في إشارةٍ إلى التداعيات المحتمَلة لخطوة الرئيس ترامب بشأن الاعتراف بالقدس كعاصمةٍ لدولة إسرائيل، فإنّ نقطة الارتكاز في عمليّة البناء لاستراتيجيّةٍ مشترَكةٍ على الصعيديْن العربيّ والدوليّ، بما من شأنه الحدّ من مخاطر تلك التداعيات، لا بدَّ من أن تبدأ بالالتفاف حول الجهود الروسيّة المبذولة في الوقت الحاليّ من أجل إحياء دور اللجنة الرباعيّة في رعاية مفاوضات السلام، أملًا في إيصالها إلى خواتيمها المنطقيّة المرجوَّة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الإجماع الدوليّ غير المسبوق على معارَضة القرار الأميركيّ، عربيًّا وأفريقيًّا وأوروبيًّا وآسيويًّا ولاتينيًّا، يُعتبَر بكلِّ المقاييس فرصةً تاريخيّةً نادرةً للقضيّة الفلسطينيّة لن تتكرَّر بسهولةٍ في القادم من السنوات.. وحسبي أنّ أيَّ تأخيرٍ أو تردُّدٍ أو تلكُّؤٍ في استثمار هذا الإجماع سيكون مجرَّد لَعِبٍ في الوقت العربيّ الضائع منذ عام 1948 ولغاية يومنا الراهن، وسيزيد من حجم المخاطر المحدِقة بمدينة القدس، سواءٌ الظاهر منها للعيان في غمرة التطوُّرات المتلاحقة في هذه الأيّام أم المخفيَّ من ورائها في غمرة استمرار الحفريات الإسرائيليّة تحت المسجد الأقصى، وهي المخاطر التي تشي المعطيات المتوافرة حولها في هذه الأيّام، إذا ما قُدِّر للعرب الإخفاق في التقاط الفرصة التاريخيّة المتاحة، أنّ المخفيَّ منها سيكون أعظَم.. والخير دائمًا من وراء القصد!