مع ظهور المؤشِّر تلو الآخَر على تصاعُد حدَّة التوتُّر الروسيّ – الأطلسيّ إلى مستوياتٍ قياسيّةٍ غيرِ مسبوقةٍ منذ انفراط عقد المعسكريْن الغربيّ والشرقيّ وانتهاء زمان الحرب الباردة الأميركيّة – السوفييتيّة في أواخِر ثمانينيّات القرن الماضي، فإنّ منسوب القلق من احتمال خروج الأمور عن نطاق التحكُّم والسيطرة، عن طريق افتعال مواجهةٍ عسكريّةٍ مباشِرةٍ بين الجانبيْن، ما زال يُواصِل ارتفاعه في الموازاة بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ أيضًا، ولدرجةِ أنّ المراقبين باتوا يتوقَّعون حدوث تطوُّرٍ دراماتيكيٍّ خطيرٍ على هذا الصعيد في وقتٍ لاحقٍ ووشيكٍ من مطلع العام المقبل.
وبحسب أكثر القراءات رصانةً في مجال رصد الأوضاع الميدانيّة في المناطق المرشَّحة لكي تتحوُّل إلى ساحاتٍ وميادينَ قتاليّةٍ إذا ما قُدِّر للمعركة أن تندلع بالفعل، فإنّ التدريبات العسكريّة المكثَّفة التي تُجريها قوّات الدول المنضوية تحت راية حلف شماليّ الأطلسيّ عند تخوم الحدود الروسيّة، باتت تحمل في سياقها المؤشِّر الأبرز للدلالة على خطورة الموقف، ولا سيّما بعدما كانت الأشهر القليلة الماضية قد شهدت على زيادةٍ ممنهَجةٍ ومقصودةٍ في عديد وعتاد تلك القوّات، وتحديدًا من جهة المناطق الحدوديّة الغربيّة، الأمر الذي يفسِّر سبب قيام وزير الدفاع الروسيّ سيرغي شويغو بإطلاق موقفه التحذيريّ الأخير عندما قال البارحة أمام هيئة الأركان في موسكو ما حرفيَّته: "لا ننوي محاربة أحدٍ، وفي الوقت نفسه، فإنّنا لا ننصح أحدًا باختبار متانة دفاعاتنا وقدرتنا على الدفاع عن النفس"، وهو الموقف الذي بدا وكأنّه استهدف الردّ بشكلٍ غيرِ مباشِرٍ على ما أعلنه قائد مشاة البحريّة الأميركيّة الجنرال روبرت نيلير في وقتٍ سابقٍ من النرويج عندما دعا العسكريّين هناك إلى الاستعداد لخوض "حربٍ كبيرةٍ"، وذلك بعدما أكَّد أمامهم على أنّ الولايات المتّحدة تعتزم حشد غالبيّة قوّاتها في غضون فترةٍ وجيزةٍ بالقرب من روسيا وكوريا الشماليّة والصين.
صواريخ إسكندر
على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان تفهُّم سرَّ وأبعاد الخطوة التكتيكيّة التي أقدمت عليها المؤسَّسة العسكريّة الروسيّة إثر إعلانها مؤخَّرًا عن رغبتها في تعزيز قدراتها الدفاعيّة بشكلٍ دائمٍ في "جيب كالينينغراد" المتاخم لكلٍّ من بولندا وليتوانيا، وذلك بعدما حدَّدت مطلع عام 2018 المقبل كموعدٍ لبدء تموضع منظومتها الصاروخيّة من نوع "إسكندر – إم" في هذا "الجيب" الذي لطالما شكَّل على مرِّ التاريخ ما يُسمَّى بـ "حصان طروادة الروسيّ" في المجالات الحيويّة الأوروبيّة والأطلسيّة على حدٍّ سواء.
ووفقًا لما نشرته دوائرُ إعلاميّةٌ روسيّةٌ مقرَّبةٌ من وزارة الدفاع في موسكو بتاريخ الثاني من شهر كانون الأوّل الجاري، فإنّ إحدى وحدات قوّات الصواريخ في المنطقة العسكريّة الغربيّة تسلَّمت هذا الطراز من الصواريخ التكتيكيّة الجديدة، تمهيدًا لبدء مهمَّتها بصورةٍ مستمرَّةٍ هذه المرّة، وليس بصورةٍ مؤقَّتةٍ لغرض إجراء المناورات حسب ما كان عليه الحال في الماضي، الأمر الذي دفع في حينه المتحدِّثة باسم حلف الناتو أوانا لوندجيسكو إلى القول إنّ وجود
المنظومات الصاروخيّة القادرة على حمل الرؤوس النوويّة مثل "إسكندر – إم" بصفةٍ مستمرَّةٍ قرب حدودنا في منطقة كالينينغراد "لن يساعِد على نزع فتيل التوتُّر" بين الجانبيْن، على حدِّ تعبيرها.
الأهمّيّة الاستراتيجيّة
وإذا كان للقلق الأطلسيّ من هذه الخطوة التكتيكيّة الروسيّة ما يبرِّره، تمامًا مثلما توجَدُ مبرِّراتٌ أيضًا لأسباب توجُّس موسكو جرَّاء استمرار محاولات دول الحلف للتمدُّد شرقًا منذ بداية القرن الحادي والعشرين، فإنّ ما يجعل التطوُّرات الميدانيّة الآنفة الذِكر في كالينينغراد تطغى بأهمّيّتها على سواها من التطوُّرات العسكريّة المماثِلة في مختلِف أنحاء العالم، يتمثَّل في أنّ هذا "الجيب الاستراتيجيّ" الذي قُدِّر له أن يبقى خاضِعًا للسيادة الألمانيّة حتّى نهاية الحرب العالميّة الثانية، قبل أن ينتقل للسيادة البيلا روسيّة، ومن ثمّ للسيادة الروسيّة، ظلّ يشكِّل على الدوام هدفًا شهيًّا للأطلسيّين في مجال السعي إلى استعادة السيطرة عليه مجدَّدًا، تارّةً عن طريق استنهاض الشعور القوميّ الألمانيّ في أوساط سكَّانه، وتارّةً أخرى عن طريق الترويج لفكرة انفصاله على غرار ما كان يحدُث في شمال القوقاز، وذلك نظرًا لأنّه تحوَّل خلال العقود السبعة الماضية إلى الذراع الجيو سياسيّة الأكثر تأثيرًا وفاعليّةً لموسكو في العمق الأوروبيّ، علاوةً على كونه لا يزال يُعتبَر المنفَذ الروسيّ الأهمّ على بحر البلطيق، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّه جيبٌ منعزِلٌ يقع على مسافةٍ تبعُد نحو ثلاثمئةٍ وخمسةٍ وستّينَ كيلومترًا عن الأراضي الروسيّة.
من هنا، وبالنظر إلى أنّ عدوى الانفصال أو الاستقلال أو الالتحاق بأراضي دولٍ أخرى تكاد تُصبح ماركةً ترويجيّةً مسجَّلةً في سلوكيّات السياسة الخارجيّة الأميركيّة في القرن الحادي والعشرين، وفقًا لما شهدناه في إقليم كوسوفو أو في جمهوريّة الجبل الأسود، على سبيل المثال وليس الحصر، وبغضّ النظر عن أنّ عدد الألمان في كالينينغراد كان قد انخفض من مليونيْن ومئتيْ ألف نسمةٍ إلى أقلّ من مئةٍ وخمسينَ ألفًا بينما ارتفع عدد الروس إلى ما يزيد عن ستِّمئةِ ألفِ نسمةٍ، فإنّ أصداء المطالَبات الليتوانيّة والبولنديّة والألمانيّة السابقة بضمِّ هذا الجيب إلى مناطقها السياديّة لا تزال حاضِرةً في الذاكرة الروسيّة بكلِّ تأكيدٍ.. وحسبي أنّ قرار موسكو الأخير بشأن نشر منظومات صواريخ "إسكندر – إم" بشكلٍ دائمٍ يأتي على خلفيّة استشعارها بوجود خطرٍ داهمٍ على أمنها القوميّ من تلك المنطقة بالتحديد.. وحسبي أنّ أيَّ مواجهةٍ عسكريّةٍ روسيّةٍ – أطلسيّةٍ، إذا ما قُدِّر لها أن تُصبح شرًّا لا بدَّ منه، ستبدأ من هناك بالتحديد.. وما على العالم، في أزمنة الحروب الأميركيّة بالوكالة، سوى أخذ الحيطة والحذر.