قبل يوم من حلول العيد الثامن عشر بعد الألفين تعود عقارب ساعة كل واحد منّا إلى ذكرى لا تزال راسخة في أذهاننا، سواء أكانت أليمة وحزينة أم فرحة ومطمئنة، مع أن صاحب العيد لم يكن ليأتي لو لم يحمل معه "المسرّة لبني البشر"، وهذا ما بشّر به ملاك الرب الرعاة المذهولين، الذين قصدوا طفل المغارة، الذي بتواضعه غيّر وجه الكون.
وبغض النظر عمّا إذا كان الذين يحملون إسمه يعيشون حسب تعاليمه، ولو فعلوا لكان منطق الأشياء غير المنطق السائد حاليًا، ولكانت التصرفات غير ما هي عليه، ولكانت العدالة تسود حيثما حلّ طيف المغارة، ولكان السلام عمّ المسكونة، ولكانت الحروب وُضع حدٌّ لها، ولكان البغض تلاشى وأختفى من قلوب كثيرين، ولكان الحب هو المسيطرّ والمهيمن دون سواه.
فالميلاد بمفهومه "اليونيفرسالي" وبما يحمله من بشائر لم يعد حكرًا على أناسٍ معينين، ولا على من هويتهم تدل إلى دينهم، وهو لم يكن يومًا لفئة دون أخرى، بل أصبح فرحه على وسع الكون، ولم يعد محصورًا في أفق ضيقة أو لدى بعض قصّار النظر.
فالعيد وصاحب العيد إختار منذ أكثر من الفي سنة مغارة مظلمة لا نور فيها ولا دفء ولا بهرجة ولا ثياب فاخرة ولا خدم ولا حشم، بل مزود تحوطه الحيوانات. ولو أراد ذلك لكان كل ذلك ملك يديه.
من هذه المغارة التي لا تزال أنوارها ترسل شعاعها في كل إتجاه إلى من لا يزال يدّعي بأنه ميلادّي بالإسم فقط ويقف في صفوف مردّدي "يا رب يارب" وليس في صفوف من يسمع ويعمل مشيئة مَن يسمعه ومَن يُسمعه، ومن له أذنان سامعتان فليسمع.
فرحة العيد تشاركها اللبنانيون بكل طوائفهم فكان شجرة الميلاد في كل بيت تعكس مدى التعّلق بالقيم الإنسانية العابرة للأديان والقارات والأجناس والطبقات والألوان.