إعتادت الطبقة السياسية في لبنان منذ اتفاق الطائف إلى اليوم تحييد خلافاتها عندما تتقاطع مصالحها العليا حتى لو كان الإتفاق على حساب شارعها وجمهورها، فتارة تجتمع على الشعب في فرض الضرائب العشوائية كما حصل قبل إقرار سلسلة الرتب والرواتب وأحيانا تتحد بوجههم عندما تستشعر الخطر على كراسيها وقد تجلى ذلك في ضرب الحراك المدني والإلتفاف عليه وشيطنته عندما وصل إلى ذروته في آب 2015 وما بينهما من أمثلة لا يتسع أي مقال لذكرها.
بات من الواضح في لبنان بأن السلطة ومتفرعاتها لا يمكن أن تنصت لأي مطلب شعبي إلا مع اقتراب الإستحقاقات الدستورية وعلى رأسها الإنتخابات النيابية والبلدية، ومع اقتراب الإستحقاق النيابي الغائب منذ عام 2009 يبرز ملف "العفو العام" الذي أصبح فجأة مطلبا سياسيا تتسابق الأحزاب بمختلف انتماءاتها على تبنيه، وفجأة بات على المحاكم تسريع محاكماتها وعدم المماطلة، فلماذا هذه الإستفاقة المفاجأة لدى أغلب القوى السياسية وأين مصلحة كل منها في هذه القضية؟ من هم الموقوفون و المحكومون الذين سيشملهم العفو؟ وهل سيهضم الشارع إرهاصات العفو المنتظر خصوصا مع ما سيحمله ربما من صدمات قد تفاجئ الجميع!
ينقسم مشروع العفو الذي قدمه وزير العدل "سليم جريصاتي" إلى الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري، إلى عدة أجزاء وهو سيشمل أكثر من 60 ألفاً، ما بين محكومٍ وموقوف وفارٍ من وجه العدالة من جنسيات لبنانية وسورية وفلسطينية والطلب المقدم من الوزير يشمل جرائم وجُنَح ومذكّرات توقيف وبلاغات بحث وتحرٍّ صادرة عن القضاء و يستثنى من القانون المقدم المتهمون والمحكومون بقضايا إرهاب وأغلبهم ممن قاتل الجيش اللبناني أو تسبب باستشهاد أحد العسكريين بشكل خاص.
في نظرة سريعة على المستفيدين من قانون العفو المطروح يتضح جليا مصلحة كل حزب وطائفة في الإستعجال على إقراره والمستفيدون هم :
- أكثر من 45 ألف شخص بين موقوف ومتوارٍ عن الأنظار صادرة بحقهم أحكام قضائية و مذكّرات توقيف وبلاغات بحث وتحرٍّ بجرائم قتل وتجارة وترويج مخدّرات وسرقات، غالبيتهم من الضاحية الجنوبية ومحافظتي البقاع وبعلبك - الهرمل، وهذا الموضوع يحظى باهتمام مباشر من حزب الله وحركة أمل.
- عملاء العدو الإسرائيلي أو ما يعرف ب "عملاء لحد" نسبة إلى العميل الإسرائيلي "أنطوان لحد" الذين فرّوا مع جيش العدو الإسرائيلي إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد تحرير الجنوب اللبناني في أيار عام ألفين ويقدر عدد هؤلاء العملاء مع عائلاتهم بأكثر من 7000 شخص وقد غادر منهم عدد لا بأس فيه إلى الولايات المتحدة الأميركية وبعض دول الإتحاد الأوروبي وتحظى قضيتهم باهتمام ومتابعة التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية ميشال عون وقد كان للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي لقاء جمعه بعدد منهم عام 2014 لدى زيارته الأراضي الفلسطينية المحتلة وقد وعدهم بالعفو حسبما قيل في تسريبات صحافية.
الموقوفون الإسلاميون، وقبل الغوص في هذا الملف لا بد لنا من توضيحه منذ بداياته وحتى الآن وفي هذا السياق يفصّل مصدر إسلامي في حديثه لـ "لبنان24" عن نشأة مصطلح "الموقوفين الإسلاميين" ويوضح بأن المرة الأولى التي دخل فيها هذا التعريف للتداول على الإعلام كان في عام 1995 عند اغتيال رئيس جمعية المشاريع "نزار الحلبي" وقد حكم يومها على أحد المتهمين بتنفيذ عملية الإغتيال بالسجن المؤبد، يكمل المصدر نفسه، توالت الأحداث ففي عام 2003 تم اعتقال مجموعة صنفت ضمن "الموقوفين الإسلاميين" أيضا وقد اتهم أعضاؤها آنذاك بتفجير مطاعم "KFC" و"McDonald" و"PizzaHut"، يضيف المصدر أنه فيما بعد تم اعتقال ما عرف بمجموعة ال 13 في قضية الشهيد رفيق الحريري قبل أن يطلق سراح أعضائها وصولا إلى عام 2007 الذي شهد النسبة الأكبر من الإعتقالات بعد معركة مخيم نهر البارد، بعدها تم إضافة موقوفي ومحكومي ما عرف بقادة المحاور في طرابلس وموقوفي عبرا في صيدا من أنصار الشيخ "أحمد الأسير"، وبالنسبة إلى أعداد الموقوفين الإسلاميين حاليا يوضح المصدر الإسلامي بأن العدد يتغير بين عام وآخر لكنه حاليا يتخطى عتبة ال 700 بينهم 370 لبناني والبقية سوريين وفلسطينيين.
وفي العودة إلى هذا الملف من الناحية السياسة فيحظى الملف بمتابعة واهتمام شديدَيْن من رئيس الحكومة سعد الحريري الذي يحتاج في هذه المرحلة إلى دفعة شعبية تقيه شرّ التراجع الحاصل لا سيما في شمال لبنان وقد استقبل الحريري في السادس من كانون الثاني الحالي لهذه الغاية وفدا كبيرا من أهالي وعائلات الموقوفين الإسلاميين من كافة المناطق اللبنانية في حضور النائب بهية الحريري التي تحظى بعلاقة جيدة مع بعض التنظيمات الإسلامية اللبنانية والفلسطينية لا سيما في منطقة صيدا جنوب لبنان وقد وعد الحريري الأهالي بأن قانون العفو سيقر في مدة أقصاها شهرين وسيشمل أغلب الموقوفين الإسلاميين ومن لن يشمله العفو سيستفيد مؤكدا من تخفيض مدة العقوبة، وفي معلومات خاصة لموقع "لبنان24" فإن حزب الله أبدى مرونة كبيرة في موضوع التعاطي مع ملف الموقوفين الإسلاميين في مؤشر واضح لدعم الحريري، وهنا يبادر إلى الأذهان ما تخشاه فئة كبيرة من الناس وعما بات يقال علنا بعدما قيل سابقا في السر حول شمل قانون العفو لصفقة قوامها العفو عن ميشال سماحة مقابل العفو عن الشيخ أحمد الأسير ومن خلفه فضل شاكر، صفقة كثر الكلام عنها في الفترة الأخيرة قد تترجم الأقوال فيها إلى أفعال، خاصة في بلد المفاجآت والتسويات لبنان.
عامل هام أيضا يجعل من إقرار قانون العفو العام أمرا ملحا قبل الإنتخابات النيابية المقررة في السادس من أيار/مايو المقبل وهو استناد القانون المقترح إلى المادة 150 من قانون العقوبات التي تنص على إصدار القانون من السلطة التشريعية (مجلس النواب)، والتي إن أقر القانون على أساسها سيصبح الفعل كأنه لم يجرم أصلا وستسقط عنه كل عقوبة أصلية كانت أو فرعية و ستعاد الحقوق المدنية للمحكومين ضمن فترة زمنية يحددها القانون مما سيشكل خزانا إنتخابيا جديدا لدى كافة الأحزاب التي صاغت ودعمت وصوتت على قانون العفو.
يروي مصدر عرسالي في معرض حديثه إلى "لبنان24" عن الأسباب التي تمنع بعض المطلوبين للدولة من تسليم أنفسهم فعلى سبيل المثال فإنّ "م.ح" هو مطلوب ذنبه أن كان موجودا في منطقة الرعيان حين وقوع حادثة إستشهاد النقيب الشهيد "بيار بشعلاني" والرقيب أول "إبراهيم زهرمان" عام 2013 وقد تم استدعاء "الحجيري" وعدد ممن كانو بصحبته آنذاك ولا زالو حتى اللحظة موقوفين دون أية محاكمة مما منع الحجيري من تسليم نفسه، من ناحية أخرى تبرز ما تعرف بتهمة "وثيقة الإتصال" والتي يتم بموجبها استدعاء المواطنين بمجرد حصول أي إتصال هاتفي بينهم وبين أحد المشتبه بهم لدى الأجهزة الأمنية وقد عانى الكثيرون من العراسلة وغيرهم من المناطق لا سيما في طرابلس من هذا الموضوع يختم المصدر.
يقول النائب عن تكتل التغيير والإصلاح وعضو لجنة الإدارة والعدل "غسان مخيبر" ل "لبنان24" بأنه حتى الساعة لم يرد أي مشروع بعد من الحكومة إلى المجلس النيابي وعليه فإن قانون العفو بحسب معلوماتي لم يناقش بعد في العلن ويبدو بأنه لا يزال قيد الدرس داخل الأروقة، وردا على سؤال حول المدّة الذي قد تحتاجها دراسة المشروع بعد إحالته إلى اللجنة من قبل الحكومة يجيب مخيبر "حسب الهمة السياسية فهناك مشاريع لا زالت عالقة منذ سنوات ومشاريع أخرى تم إقرارها بساعات أو دقائق" فهناك عدة إقتراحات قوانين للعفو تم طرحها في السنوات الماضية ولم تبصر النور بسبب الخلاف السياسي وعن النقاط التي يستبعد تمريرها ضمن قانون العفو المقترح يضيف "مخيبر" بأن قضيتي الإرهاب والمخدرات ستثتثنيان من القانون على ما يعتقد وهو الأمر الذي قد يثير جدلا واسعا.
وتجدر الإشارة الى أن آخر عفو شهده لبنان تم إقراره في العام 2005 ضمن صفقة سياسية أتت بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان وقبل انتخابات عام 2005 النيابية وقضت في حينها بخروج رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن مقابل خروج مجموعات متشددة ضالعة في أحداث الضنية ومجدل عنجر، اليوم وبعد اثني عشر عاما على العفو الأخير ومع انعدام أوجه الشبه بين هذه الحقبة وتلك باستثناء اقتراب الإنتخابات النيابية، ينقسم اللبنانيون بين مُؤيّـدٍ ومعارض إزاءَ مشروعِ قانون العفو العام الذي يُتوقّـعُ طرحهُ في المُقبلِ من الأيّام ولِكُـلٍّ دوافعهُ والأسباب التي تجعله يقف مناصراً لهُ أو حانِقاً على كل من سيصوّت له، مذنبون كثر سيستفيدون منه في حالِ إقرارهِ وتطبيقه على عكس القاعدة الأساسية "فالطالح بعزا الصالح" هنا، وأناسٌ قابعونَ في السّجون منذ مدّة طويلة حتى إن بعضهم لم يُحاكم ، دون اتضاح الأسباب ودونَ أيِّ تبريـرٍ من المعنيّين، في مقابل المتضرّرينَ والمفجوعينَ الذين دفعوا دماً ودموعاً وأرزاقاً نتيجة ما اقترفتهُ أيدي بعض المُدانينَ منهم. هي حالةُ ترقُّـبٍ وانتظار تسودُ الشّارع اللّبناني فلمن تكون الغلَبة في النهاية؟ الأيّام المقبلة ستجيب عن هذا السُّؤالِ اللُّغـز.
(ايناس كريمة - لبنان 24)