تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

"فنّ الممكِن" على الطريقة التركيّة.. فهل يُكرَم أردوغان أو يُهان؟

جمال دملج

|
Lebanon 24
28-12-2017 | 10:06
A-
A+
"فنّ الممكِن" على الطريقة التركيّة.. فهل يُكرَم أردوغان أو يُهان؟
"فنّ الممكِن" على الطريقة التركيّة.. فهل يُكرَم أردوغان أو يُهان؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
بغضّ النظر عن مآخذ الكثيرين على "المفردات الفجَّة" التي غالبًا ما يستخدمها الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان لدى التطرُّق إلى المواضيع والقضايا ذاتِ الصلةِ بالشأن السوريّ، على غرار ما فعله نهار أمس الأربعاء في تونس عندما وصَف الرئيس بشّار الأسد بأنّه "إرهابيٌّ يستحيل التعامل معه"، وبعيدًا عن الدخول في غمار البحث عمّا إذا كان لهذه المآخذ ما يبرِّرها حقًّا أم لا، فإنّ المسألة الأهمَّ التي يُفترَض التوقُّف عندها في الوقت الراهن، تتمثَّل في أنّ النقلاتِ النوعيّةَ التي قام بها الرئيس أردوغان خلال الأيّام الأربعة الماضية في كلٍّ من السودان وتونس بالتحديد، استكمالًا لنقلاته المماثلة السابقة خلال العاميْن الماضييْن في كلٍّ من الصومال وقطر، باتت تؤشِّر بوضوحٍ إلى أنّ المدى الذي يمكن أن يصِل إليه طموح أنقرة في مجال المحافظة على ركائز الأمن القوميّ التركيّ لم يعُد مقتصِرًا على المجاليْن الحيويّيْن التقليديّيْن في المناطق الحدوديّة مع كلٍّ من العراق وسوريا وحسب، بل أصبح عابرًا للحدود في مختلف الاتّجاهات، الأمر الذي يرى البعض أنّه يندرج في سياقِ محاولةٍ جادّةٍ تستهدف استعادة أمجاد السلطنة العثمانيّة وستتكلَّل بالنجاح، بينما يرى البعض الآخَر أنّها محكومةٌ بالفشل مسبَقًا وسيترتَّب عليها الكثير من المخاطر والمحاذير. وإذا كان الإعلان الأخير عن موافقة الرئيس السودانيّ عمر حسن البشير على تسليم السلطات التركيّة مهامّ إدارة جزيرة "سواكن" قد أدَّى إلى إنتعاش أسواق المضاربة على آفاق وأبعاد التوجُّه الأردوغانيّ الجديد صوب البحر الأحمر، فإنّ أكثر ما بدا لافتًا على إيقاع هذه الخطوة الاستراتيجيّة الهامّة، سرعان ما تجلّى البارحة في فحوى إشارةٍ خجولةٍ لمَّح إليها رئيس تحرير صحيفة "التيّار" السودانيّة عثمان ميرغني في مداخلةٍ تلفزيونيّةٍ عبر الهاتف على شاشة قناة "روسيا اليوم"، ومؤدَّاها باختصارٍ أنّ هذه الجزيرة الصغيرة التي تبلغ مساحتها قرابة العشرين كيلومترًا مربَّعًا، شكَّلت على مرِّ التاريخ الحديث مبعثَ قلقٍ ومصدرَ تهديدٍ للإسرائيليّين، الأمر الذي عرَّضها مرارًا للاستهداف بغاراتٍ جوّيّةٍ إسرائيليّةٍ، وذلك على خلفيّة الإدراك الكامل لسرّ تحوُّلها إلى ممرٍّ حيويٍّ آمنٍ يوفِّر فرص إيصال الأسلحة والذخائر وغيرها من أدوات الدعم اللوجستيّ إلى قطاع غزّة المحاصَر، وخصوصًا كلَّما كانت قبضة هذا الحصار تشتدُّ أكثر فأكثر من جهة معبر رفح المصريّ. بين تركيا والعرب على هذا الأساس، وبالنظر إلى أنّ أكثر الانتقادات شدّةً للخطوة السودانيّة – التركيّة الأخيرة خرجت خلال اليوميْن الماضييْن من محافل القاهرة بالتحديد، ولدرجةِ أنّ البعض هناك لم يتردَّد في التعبير عن خشيته جرّاء ما يمكن أن تشكِّله من خطورةٍ مباشِرةٍ على الأمن القوميّ المصريّ، وكذلك على طبيعة العلاقات النمطيّة القائمة في الوقت الراهن، سواءٌ في السرّ أم في العلن، على خطّ مصر – السعوديّة – إسرائيل، فقد كان من المستغرَب جدًّا أن تبقى إشارة عثمان ميرغني الآنفة الذكر، على رغم أهمّيّتها الفائقة، خارج نطاق التداول الإعلاميّ، ولو إلى حين، وذلك مقابل الإمعان في التركيز على استعراض الخلفيّة التاريخيّة للجزيرة منذ زمان العثمانيّين ومَن سبقهم إليها، علمًا أنّ مجرَّد التطرُّق إلى عنصر القلق الإسرائيليّ الدائم في "سواكن" كان من شأنه أن يُستخدَم لصالح منتقدي الرئيس أردوغان، وليس لصالح مؤيِّديه، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ باب الجدل حول ما إذا كانت الخطوات التركيّة على الساحة الشرق أوسطيّة تتمّ بالتناغم مع الدولة العبريّة أو لا، منذ مرحلة ما قبل "ربيع العرب" ولغاية الآن، ما زال مفتوحًا في أكثر من محفلٍ دوليٍّ وإقليميٍّ على مصراعيه. الإمارات على الخطّ في هذا السياق، لا بدَّ من المرور سريعًا على ما نشرته صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتيّة مؤخَّرًا عندما قالت إنّه "على رغم التصريحات الناريّة الآتية من أنقرة في هذه الأيّام، فإنّ العلاقات التركيّة – الإسرائيليّة ظلَّت قويّة طيلة السنوات الماضية"، ولا سيّما أنّ "هناك اثنتيْ عشرةَ رحلةَ طيرانٍ يوميًّا على خطّ تلّ أبيب – اسطنبول"، علاوةً على "وجود شراكةٍ بين الجانبين في مشروع نقل الغاز الإسرائيليّ إلى أوروبا عبر تركيا". وإذا كانت الصحيفة قد اتّهمَت الرئيس التركيّ بأنّه يسعى إلى تسويق نفسه باعتباره "القائد الذي سيحرِّر فلسطين وينجح فيما فشل القادة العرب قبله"، على حدِّ تعبيرها، فإنّ اثنين من المتابعين لمسار تدهور العلاقات في الآونة الأخيرة ما بين أنقرة من جهةٍ، وما بين كلٍّ من أبو ظبي والرياض والقاهرة من جهةٍ أخرى، لا يمكن أن يختلفا على البديهيّة القائلة بأنّ هذا الكلام، وإنْ حمَل في مضمونه شيئًا من الصواب، ولكنّه يندرج في نهاية المطاف في سياقِ بروباغندا إعلاميّةٍ أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها هو إنّها مغرِضةٌ بكلّ ما في الكلمة من معنى، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ حضور الماء التركيّ بكثافةٍ إلى عُقر دار الدول التسعِ المطلَّة على البحر الأحمر، أيْ الأردن ومصر والسعوديّة والسودان وإريتريا والصومال واليمن وجيبوتي وإسرائيل، عبر بوّابة جزيرة "سواكن"، وذلك بعد اكتمال حضوره عبر البوّابة الصوماليّة في المحيط الهنديّ من خلال افتتاحِ قاعدةٍ عسكريّةٍ جنوبَ العاصمة مقديشو في شهر أيلول الماضي، وقبل ذلك عبر البوّابة القطريّة في الخليج العربيّ من خلال افتتاح قاعدةٍ عسكريّةٍ في الدوحة، لا بدَّ من أن يؤدّي في المحصِّلة النهائيّة إلى إبطال التيمُّم بالتراب، بغضّ النظر عمّا إذا كان عربيًّا أو غربيًّا، أو في منزلة ما بينهما. "فنّ الممكِن" من هنا، يُصبح في الإمكان التكهُّن بأنّ المدى الذي يمكن أن يصِل إليه الطموح الأردوغانيّ في مجال العمل على توفير الشروط اللازمة للمحافظة على الأمن القوميّ التركيّ لن يتوقَّف عند أيِّ حدٍّ اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر، ولا سيّما أنّ الرجل ما زال يتحرَّك بأريحيّةٍ تامّةٍ وفقًا للأسس الدارِجة التي يقوم عليها المبدأ القائل بأنّ "السياسةَ فنُّ الممكِن"، حتّى ولو اتّسمت لغة تخاطبه مع الآخرين بالفجاجة في معظم الأحيان على غرار ما حدَث البارحة في تونس لدى وصْف الرئيس بشّار الأسد بـ "الإرهابيّ" بينما لا تزال تركيا تلعب دورها كاملًا بصفتها إحدى الدول الثلاث الضامنة للمفاوضات السوريّة – السوريّة في أستانا إلى جانب كلٍّ من روسيا وإيران.. وأغلب الظنّ أنّ هذا الوصْف، سواءٌ كان مقصودًا أم كان مجرَّدَ زلَّةِ لسانٍ، إنَّما يُشكِّل تجسيدًا معبِّرًا عن طقوس ممارسة "فنّ الممكِن" على الطريقة التركيّة، اللهمّ إلّا إذا ظهَرت مؤشِّراتٌ جديدةٌ في القادم من الأيّام من شأنها الإيحاء بأنّ الرئيس التركيّ قرَّر العودة مجدَّدًا إلى ممارسة طقوس العزف منفرِدًا على المسرحيْن الدوليّ والإقليميّ.. فعندئذٍ، لا بدَّ من أن تكون لروسيا كلمتها الحاسمة بهذا الخصوص، تمامًا مثلما لا بدَّ من أن تكون لإيران كلمتها أيضًا.. وحسبي أن أقول هنا إنّه في نهاية الامتحان، سيُكرم أردوغان أو يُهان.. والخير دائمًا من وراء القصد.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك