سبق وزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف نظراءه الأوروبيين والعالم من مجموعة الدول ( 5 + 1 ) إلى عواصم الخليج العربي وترك لهم الرياض مسرحاً فارغاً لتسويق التفاهم الإيراني ـ الدولي، شارحاً وجهة نظر بلاده من الاتفاق النووي في رسائل من الرئيس الايراني حسن روحاني واستعدادها للتعاون والانفتاح على دول الخليج، فأخلى طهران لتكون مقصداً لنظرائه او من يمثلهم بعدما زارها إلى اليوم موفودون بريطانيون وألمان وفرنسيون.
وكل ذلك يجري في وقت يستعد فيه وزير الخارجية الأميركية جون كيري لجولته العربية والخليجية الأسبوع المقبل بعد أن يكون قد أقفل مواعيده المحجوزة في أروقة مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، حيث المناقشات جارية للدفاع عن الإتفاق النووي الإيراني - الغربي وموقف إدارة الرئيس باراك أوباما منه. فلعله ينقذ رئيسها من ممارسة حق "الفيتو" فلا ينهي عهده في البيت الأبيض بمواجهة قاسية مع الكونغرس بمجلسيه، وليحتفظ بما يسميه المسؤولون الأميركيون "انجازات عهد" بعدما رغب بأن يسجل في لائحتها التفاهم النووي الإيراني واعادة العلاقات بين بلاده وجارتها كوبا..
على وقع هذه المعادلة يصر كيري على أن تكون الدوحة منطلقاً لجولته الخليجية وليس الرياض، فاختارها لتكون موقعاً للجولة الأولى من زيارته الموسعة يلتقي خلالها نظراءه في مجلس التعاون الخليجي الذي يضم السعودية والإمارات والبحرين والكويت وعمان وقطر، في محاولة لإقناعهم بأنّهم سيكونون أكثر قوة مستقبلاً من خلال صد إيران بطريقة أكثر كفاءة وقوة، كما قال على هامش إجتماعات الكونغرس وفي رسائل قصيرة الى نظرائه الخليجيين، مرفقة ببطاقة الدعوة الى لقاء الدوحة في 3 آب المقبل.
تزامناً فقد التقت التقارير الديبلوماسية الواردة من عواصم القرار وطهران ومجموعة الدول الست على توحيد النظرة الى مهمتي ظريف وكيري. فانهما يسعيان سوية إلى تمهيد الأرضية الصالحة لاعادة نسج خطوط الاتصال الايرانية ـ الخليجية، على أمل ان تعيد وصل ما انقطع بين ايران والمملكة العربية السعودية، بحيث يمكن بعدها الحديث عن انفراجات في أزمات أخرى تشهد المواجهة الإيرانية ـ السعودية بمظاهرها العسكرية في سوريا والعراق واليمن وبوجهها السياسي في بيروت ومناطق أخرى من العالم.
وكما في واشنطن، حيث المواجهة الكبرى بين ادارة اوباما والكونغرس، كذلك في طهران مواجهة أخرى مماثلة حملت عنوان روحاني ـ سليماني. فموقف الحرس الثوري الإيراني لا يمكن التقليل من أهميته وقساوته. فقد كشفت التقارير الواردة من طهران بأن الرئيس الإيراني هو من أوحى الى مجلس الشورى الإيراني بتأجيل البحث 60 يوماً في الإتفاق النووي في انتظار ان يقول الكونغرس الأميركي كلمته فيه. وهو ما سمح لروحاني وظريف ان يعملا سوية طيلة هذه الفترة للدفاع عن التزامات ايران بموجب الإتفاق، ولإبعاد الصفة ـ التهمة التي الحقت بها "التنازلات الإيرانية المشينة" كما وصفها قادة الحرس الثوري الإيراني.
ولذلك كله، ترصد المراجع الديبلوماسية بدقة متناهية آداء الإدارتين الأميركية والإيرانية في ضوء السباق بينهما لترجمة الإنتصارات التي يحرص عليها الطرفان واقناع المعترضين في إدارتيهما والعالم بمحاسن الإتفاق ووجوهه الإيجابية الهادفة الى إخلاء المنطقة الملتهبة بآبار البترول من السلاح النووي.
ولذلك، فهما يهدفان إلى فتح صفحة جديدة من العلاقات الدولية تظلل المساعي المبذولة لحلحلة العقد المتفجرة في سوريا والعراق واليمن واقفال الصراع السياسي في لبنان لانقاذ مؤسساته الدستورية المتداعية على وقع الشغور الرئاسي خوفا من الإنهيار الشامل لمظاهر الدولة التي يمسك بها اليوم مجلس الوزراء المتداعي سياسياً، وبيده الجيش اللبناني الذي يمسك الذراع العسكرية والأمنية ومعه باقي المؤسسات الأمنية..
وبناء على ما تقدم، سجلت وقائع السباق بين طهران وواشنطن على رقعة الخليج العربي مع تفوق ملحوظ للوزير الإيراني الذي تمكن من إخفاء المعارضة الداخلية للإتفاق ونظيره الأميركي، الذي تنتظره مهمة أخرى بعد الدفاع عن الإتفاق في مؤسساته الدستورية الداخلية مهمة أخرى في الرياض وتل ابيب.
وعليه، فقد سجل التفوق الإيراني على الأميركي على انه الأسرع، وتم تصوير كيري بأنه يركض وراء ظريف، مع ملاحظة هامة تقول بان السباق لم ينته بعد والهدف بعيد عنهما، ومن يضمن ان ظريف الذي ركض أولاً سيصل إلى الهدف المنشود قبل كيري؟
(خاص "
لبنان 24")