قبل عشرة أعوام، وتحديداً يوم 14 شباط 2005، كان يومٌ تاريخي في الحياة اللبنانية لأنه اختزال تواريخ وتحولات كبيرة. في ذلك اليوم الأسود طالت يد الإرهاب أحد أبرز رموز البلاد، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مع سبعة من مرافقيه وعشرين مواطناً آخرين في أكبر جريمة إرهابية في تاريخ لبنان، في زمن السلم، باغتيال رجل السلم وإعادة الإعمار. الجريمة التي كان لها آثار وتداعيات على البلاد برمتها، وليس من نافل القول أن آثارها امتدت من الأمن الى السياسة، ومن الاقتصاد الى الثقافة، وصولاً الى الاجتماع، بما يشبه الزلزال.
قبل عشرة أعوام، كان لرفيق الحريري أن يستشهد: الكارثة، الصدمة، التراجيديا الكبرى، لكن كان أيضاً لرفيق الحريري، في استشهاده، أن يعبئ الفضاء والأمكنة والناس للخروج من حالات "الانتظار" والذهاب الى الحرية والتحرر، لتثبيت الاستقلال الوطني المستعاد. وكأن "البوصلة" التي طلعت من دمه المسفوك، أشارت الى القابعين في الخوف والذل والحذر أن يهبوا ويصنعوا مصيرهم بأنفسهم، ويتمردوا على "القدر" المفروض عليهم، وينتفضوا على الوصايات وأسلحة الرعب والتخويف والترويع والقمع والإرهاب والانضمام إلى الوطن، كل الوطن، كفضاء موحد، ومكان لا بديل منه، للتحرر من كل ما يكبل إرادته.
بمعنى آخر، ومباشر، كان لرفيق الحريري لكي تمرّ التحولات الكبرى أن يذهب إلى الموت. نعم الموت، هكذا.. ذلك أن التحولات الكبرى، تماماً كما "الحرية" و"الاستقلال" ومقارعة الاستبداد، لا تنتظر أحداً، وكل ذهابٍ إليها يعني، أحياناً كثيرة، وفي مثل الظروف التي عاشها ويعيشها لبنان ومحيطه، ضربُ موعدٍ مع الموت أو الشهادة.
انسحبت القوات السورية من لبنان في شهر نيسان 2005، وصدرت قرارات دولية عدة من مجلس الأمن (1595، 1636، 1644) تتصل بالوضع اللبناني عموماً، وتداعيات الجريمة خصوصاً، وشكلت لجنة تحقيق دولية للعمل على كشف الحقيقة في الجريمة الإرهابية ومعرفة مخططيها ومدبريها ومموليها ومنفذيها، ثم أنشأت محكمة دولية خاصة وسط انقسام محلي حولها؛ كل شيء أنبأ أن تداعيات ما حصل، شكل ما يمكن اعتباره قطعاً مع تواريخ سابقة، قطع يكاد يشبه في حدّته الانقلابات الحاسمة، وتأسيساً لمرحلة جديدة.
كان الرئيس الشهيد في حياته. رجل السلم الأهلي والوفاق الوطني والطائف، وقبل كل ذلك، كان جسراً للتفاهم بين القوى الأساسية في المجتمع السياسي اللبناني، وهو الذي ظل على مدى أكثر من عقد من الزمن، ملء السمع وملء البصر في حركته الدائبة، وحضوره السياسي والوطني المباشر وغير المباشر، عاملاً على إنهاء الفتنة المدمرة التي عصفت بلبنان وعلى إعادة إعماره وتطوير اقتصاده وبناء الدولة فيه. حلم بالنهوض بالوطن، وتعزيز موقعه، وتمكينه من الانخراط في حاضر العالم وحركة العصر، ولم ير كثيرون أن لبنان كبر معه في حضوره الخارجي والدولي وممارسته للديبلوماسية المباشرة مع أطراف العالم الرئيسيين.
ليس مبالغة أن رفيق الحريري باستشهاده وحّد اللبنانيين، مسقطاً تلك النظرية/ المراهنة على استحالة أن يجتمعوا على أمر، يوم خرجت بيروت المفجوعة ومعها كل لبنان، في حشد مهيب يحمل ألف دلالة ودلالة، لوداع باني ما بعد الحرب، وكان ان أطلقت الجريمة الاستثنائية حالة من الحزن والغضب، وسيلاً من الاتهامات، وبات كل شيء يدل أن لبنان لن يتمكن من استعادة "شروط العيش" شبه الطبيعي ما لم تكشف "الحقيقة" ففي كشفها إنصاف للوطن والمواطنين.
نعم، لقد تشظى جسد رفيق الحريري، بفعل جريمة إرهابية كانت في حجم وطن، ليست في حجم وجوده المادي فحسب وإنما في حجم تطلعاته والأحلام أيضاً، لكن اللبنانيين اكتشفوا أن مشروع رفيق الحريري، لم يكن لترميم ما تهدم من بناء واقتصاد فحسب، بل كان في جوهره ومراميه البعيدة لترميم الذات اللبنانية، واكتشفوا أن رجل الإعمار كان رجل دولة، ورجل قضية وطنية.
قيل الكثير وسيقال المزيد عن قصة النجاح الملحمية لرفيق الحريري، عن الرؤيوي والاستباقي النادر، عن الرجل الذي امتلأت به البلاد حياً، وامتلأت به أكثر شهيداً، وهي في الحالتين تحمل بعضاً من ملامحه. فللحريري قصةُ وَلَهٍ مع لبنان واللبنانيين، ومع العرب والعروبيين، ومع هذا العالم المتقدم الذي أراد أن يكون اللبنانيون والعرب الآخرون في قلبه، مشاركة وتأثيراً وصنعاً للمستقبل الآخر المتطور والمزدهر.