كادت الظلمة أن تلتهم البلد تباعاً بفعل إضراب المياومين وعمال الصيانة في مؤسسة كهرباء لبنان، الغارقة أصلاً بشبهات ملفات سمسرات وتلزيمات وصفقات، لولا أن تدارك المعنيون باصطناع حلحلة مرحلية لمشكلة ليست الوحيدة التي تحاصر التيار الكهربائي. إليها يضاف غياب الحلول الجذرية لمشكلة الانتاج والتوزيع والصيانة والجباية وغيرها.
إلى الكهرباء، هناك ملفات عديدة وضاغطة ورثتها 2018 عن سابقاتها، ضرائبياً وخدماتياً وأمنياً ودستورياً، وحتى في علاقات لبنان بمحيطه، في بلد يجعل من تفصيل بسيط أزمة وطنية يهرب من خلالها إلى الأمام تجنباً لمساءلته في واجباته تجاه المواطنين، بلد ينتهج التسويات الظرفية طريقة عمل، بديلاً عن السياسات العامة كمنهج للإدارة والحكم والتخطيط.
قبل أيام، وبعد تأخر مقلق، نعمت الارض ببعض الأمطار التي يؤمل أن تعوض التأخر الكبير في مواعيد المتساقطات لهذا العام. لكن في لبنان لا يمكن لأي أمر مهما صغر أو كبر ان يكون خيراً صرفاً. لأمر ما، أو قُل لفساد متأصل ومتجذر في هذا البلد، لكل شيء تداعيات سلبية.
تكفي دقائق من المطر كي تتحول الشوارع والساحات والأزقة الى برك وبحيرات، تحتجز الناس وتغرق البشر وتعطل دورة الحياة. والمصيبة لا تنتهي هنا، فالبلد الذي يعاني أصلاً من انقطاع الكهرباء (حتى قبل إضراب المياومين) ما إن تهب أولى النسمات حتى تُغرق الظلمات الأمكنة والقرى بفعل الصيانة شبه المنعدمة لشبكات التوزيع والتي تتعطل عند أول هبوب للعواصف! هكذا هي حال البلد في كل وجوهه ومرافقه، يغرق بشبر ماء فيما المسؤولون يتولون إغراقه بالحديث عن "الانجازات".
لا يمكن تصور أو وصف الركاكة والهشاشة التي تطبع كل شيء، تبلّد واستسلام مطلق أمام الواقع غير الطبيعي. يغرق البلد في مهاترات لا تُسمن ولا تُغني من تنمية أو رفاهية، يزداد مؤشر البطالة والفقر فيما المجموعة المتحكمة تزداد ثراء وسلطة، وتلتهب الأسعار من دون رقيب متذرعة بزيادة طفيفة في ضريبة القيمة المضافة، يزرع المحاسيب في الإدارات والمواقع والمجالس بفعل المحاصصة التي قضت على الكفاءة والخبرة والنزاهة، يتوسع الفساد ويشكل كل مناحي الحياة بشكل يدفع للكفر بكل الموجبات الوطنية.. انسداد كبير يجعل من مجرد الحلم بالتغيير أمراً مستحيلاً في بلد ركّبت كل تفاصيله وفق متوالية مدروسة تحكم مصالح طبقة سلطوية استطاعت تسخير كل مقدرات البلد لمصالحها بحجج وذرائع شتى!
السلطة الحاكمة تنأى بنفسها عن كل المسؤوليات والقضايا والواجبات، لا همّ لها إلا حماية مصالحها وتأبيد وجودها في جنة الحكم، تنتفض لأمور ثانوية ولا تعنيها كرامة المواطن ورفاهيته.. سلطة جعلت من نفسها "مياوماً" تجاه قضايا الناس، و"أبدياً" تجاه مصالحها.
العالم يتغير، يتغير بسرعة، حتى في أعتى الديكتاتوريات وأقوى الأنظمة، لا مكان للأبدي والمعصوم. في لبنان قد تكون المشكلة الأكبر هي عدم الثقة بالنفس والبلد والمستقبل، عدم الاقتناع بالقدرة على التغيير، حتى في ظل قوانين انتخاب عوجاء. متى أراد الشعب التغيير لن يمنعه شيء.