على رغم مرور أكثر من ستّةِ أشهرٍ على اندلاع الأزمة الخليجيّة وبدء الحصار الذي فرضته دول المقاطَعة المتمثِّلة في كلٍّ من السعوديّة والإمارات والبحرين ومصر على دولة قطر، فإنّ المؤشِّرات المتوافرة تباعًا في خضمّ تداعيات سياسة التراشق الإعلاميّ المتبادَل بين طرفيْ هذه الأزمة، حسب ما دلَّت إليه ردود الأفعال على المواقف التي عبَّر عنها وزير الخارجيّة القطريّ الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أثناء استضافته أمس الأربعاء على شاشة التلفزيون المحلّيّ في الدوحة، ما زالت تشي باضطرادٍ، ويومًا بعد يومٍ، بأنّ أيَّ حديثٍ في الوقت الحاليّ عن إمكانيّة التوصُّل إلى تسويةٍ بالتراضي، تضمن حفظ ماء الوجه لأبناء الأسرة الواحدة، سيبقى سابقًا لأوانه حتّى إشعارٍ آخَر، ولا سيّما بعدما أصبح في حُكم المؤكَّد أنّ محاور الاختلافات والمناكفات الكيديّة آخذةٌ بالتشعُّب وفقًا لمنحى دراماتيكيٍّ خطيرٍ لا يمكن أن يُبشِّر بالخير بأيِّ شكلٍ من الأشكال.
وإذا كان الشيخ بن عبد الرحمن قد ركَّز في مقابلة الأمس على الكشف عن تفاصيلَ مثيرةٍ لبعض العوامل التي تسبَّبت في اندلاع الأزمة، معتمِدًا في حديثه على أسلوبٍ تشويقيٍّ يتشابه كثيرًا مع الأسلوب الذي استخدمه سلفه الشيخ حمد بن جاسم لدى قيامه بالكشف العام الماضي عن سرِّ مئات المليارات من الدولارات التي تمَّ رصدها من أجل توفير المناخات الملائمة لإشعال شرارة ما اتُّفق على تسميته بـ "ربيع العرب"، فإنّ أبرز هذه العوامل ذات الصلة بتدهور العلاقات القطريّة – الإماراتيّة، بحسب ما جاء في المقابلة، يتمثَّل في إصرار الدوحة على رفضِ طلبٍ رسميٍّ تقدَّمت به أبو ظبي من أجل تسليمها زوجة معارِضٍ إماراتيٍّ تقيم في قطر، وذلك نظرًا لأنّ هذه السيّدة ليست مطلوبةً على خلفيّة ارتكابها لأيِّ جرمٍ جنائيٍّ، الأمر الذي يجعل تسليمها لسلطات بلادها مخالِفًا للقانون الدوليّ وللدستور القطريّ، ولا سيّما أنّ المادّة الثامنة والخمسين تحرِّم تسليم أيِّ لاجىءٍ لأسبابٍ سياسيّةٍ، ناهيك عن أنّ "أخلاقنا كعربٍ، وتقاليدنا كخليجيّين، لا تسمح لنا بتسليم المرأة"، على حدِّ تعبير الوزير بن عبد الرحمن الذي أكَّد أيضًا على أنّ أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني غالبًا ما كان يشدِّد على ضرورة عدم السماح لأيِّ شخصٍ باستخدام الدوحة كمنصّةٍ للهجوم على الإمارات أو على أيِّ دولةٍ خليجيّةٍ أخرى.
أمّا بالنسبة إلى العوامل ذات الصلة بتدهور العلاقات القطريّة – المصريّة، فإنّ أكثر ما كان لافتًا في هذا الإطار تمثَّل في إشارة الوزير بن عبد الرحمن إلى أنّ الخلافات بين البلدين، وإنْ كانت قد نجمت في الأصل عن تداعيات الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013، ولكنّ الفتور الذي اتّسمت به العلاقات الثنائيّة إثر ذلك على مدى قرابة الثلاثِ سنواتٍ لم يشكِّل في نهاية المطاف أيَّ عقبةٍ أمام إتمام لقاء الشيخ تميم مع الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء إجراء مناورات "رعد الشمال" في منطقة حفر الباطن السعوديّة خلال شهريْ شباط وآذار عام 2016، ولا سيّما أنّ الفضل
في ذلك يعود إلى الأمير محمد بن سلمان الذي أراد السعي جاهِدًا في اتّجاه رأب الصدع بين الدوحة والقاهرة بينما كان لا يزال يشغل مهامّ منصبه كوليٍّ لوليِّ العهد في المملكة.
وممّا أوضحه الوزير القطريّ في هذا السياق هو أنّ الأمير بن سلمان أعرب وقتذاك عن رغبة بلاده في تقريب وجهات النظر بين قطر ومصر، حيث تمّ الاتفاق على عقد اجتماعٍ ثلاثيٍّ على مستوى وزراء الخارجيّة من أجل مناقشة الخلافات ومحاولة حلِّها، ولكنّ المملكة لم توجِّه أيَّ دعوةٍ لهذا الغرض حتّى الآن.
هذا الكلام، وإنْ حمل في مضمونه ما يكفي من الإيحاءات للدلالة على أنّه لا يعدو عن كونه مجرَّدَ محاولةٍ ديبلوماسيّةٍ تقليديّةٍ استهدفت تبرير أسباب استفحال الأزمة الراهنة عن طريق تحويله إلى مادّةٍ للاستهلاك الإعلاميّ، ولكنّ أخطر ما تردَّد على إيقاعه سرعان ما تجلّى اليوم الخميس في دلالات النزعة التهكُّميّة التي اتّسمت بها المفردات التوصيفيّة الواردة في ردود أفعال الطرف الآخَر وتعليقاتهم عليه، مثل "قذّافي الخليج" و"تنظيم الحمَديْن" و"عقوق الوالديْن"، حسب ما نشره المستشار في الديوان الملكيّ السعوديّ سعود القحطاني في سلسلةِ تغريداتٍ له على حسابه الرسميّ على موقع "تويتر" خلال الساعات القليلة الماضية، وهي مفرداتٌ إنْ دلَّت إلى شيءٍ، فهي تدلُّ إلى انحدار لغة التخاطب السياسيّ والديبلوماسيّ بين "الدول الشقيقة" إلى مستوياتٍ غيرِ مسبوقةٍ على مقاييس الحضيض، علاوةً على أنّها تؤشِّر بوضوحٍ إلى انسداد الآفاق المتاحة أمام فرص التوصُّل إلى تسويةٍ قريبةٍ على المدى المنظور.. وحسبي أنّ الساحة الخليجيّة ما زالت ماضيةً في التحوُّل تدريجيًّا إلى ملتقى لحبالٍ متشابكةٍ ينشُر فوقها الواحد غسيله فوق سطوح الآخَر، اعتبارًا من الآن وحتّى إشعارٍ آخَر، اللهمّ إلّا إذا ظهر على وجه السرعة الخليجيّ المخلِص والمخلِّص الذي يُتقِن فنَّ اللعب على الحبال، وفقًا للعُرف القائل بأنّ "السياسة فنُّ الممكِن".. فعندئذٍ فقط، سيُصبح القليل من الممكِن في السياسة يسيرًا جدًّا على الهضم، وخصوصًا في أوساط الأخوة – الأعداء.. وحسبي أنّ أيَّ جهدٍ يُبذَل خارج نطاق الإصرار بشدّةٍ متناهيةٍ على دعوة الأشقّاء الخليجيّين للعودة إلى صوابهم، بعيدًا عن مفردات التخوين والتدجين، هو جهدٌ ضائعٌ في مختلف الأحوال والظروف.. والخير دائمًا في تجديد التأكيد على أهمّيّة التمسُّك بلغة المنطق في هذه الدعوة من وراء القصد.