قد يكون بديهياً أن يسبق أي استحقاق انتخابي في أي بلد احتمال حدوث تطورات واحداث مختلفة إن على المستوى الأمني أو السياسي أو حتى نتيجة حصول تدخلات خارجية، فكيف سيكون عليه الحال اذا كان هذا الاستحقاق سيتم في بلد هو في الاساس يعاني من اهتراء على مستويات عدة، لاسيما على المستوى السياسي، ومهدد ايضا بالهزات نتيجة صراعات خارجية وهو ما ينطبق على الوضع اللبناني الذي يقف حاليا قاب قوسين او ادنى من الانتخابات النيابية، حيث باب التطورات مشرعا امام العديد من الاحتمالات التي يبقى فيها العامل الامني المرشح والاستحقاق الاصعب والاهم في المرحلة المقبلة، نظرا للطابع الدقيق والمؤثر التي قد تفرضه النتائج الانتخابية على الواقع السياسي اللبناني ووجهة سيره السياسية الداخلية والخارجية.
ربما يرى البعض ان نتائج المعركة الانتخابية ستكون مضمونة لفريق في حين ستكون صدمتها مدوية لفريق آخر، في حين يرى البعض الآخر نتائج مغايرة ستعكس محافظة الفريق الآخر على حيثيته في صنع القرار السياسي، الا ان حقيقة الامر ان نتائج المعركة الانتخابية سبقت الاستحقاق الانتخابي باشواط والمؤشرات على ذلك فضحها تبدل المشهد السياسي الداخلي منذ استقالة الحريري الذي ارسى تفاهمات استراتيجية بصورة نافرة بعد ان كان يسودها الخجل والمواربة وتحديدا في مرحلة ترشيحه ومن ثم انتخابه للرئيس ميشال عون والأداء السياسي الذي حكم الفترة الممتدة حتى الاستقالة حيث طال الخجل في الافصاح عن عمق العلاقة والود الى اروقة مجلس الوزراء التي لم يسمع فيها تحفظا واحدا حتى ولو بالهمس من قبل الحريري على خلفية فتح قنوات تواصل بعض وزراء حكومته مع ممثلي النظام السوري او حتى خبطة يد واحدة على الطاولة يحفظ بها ماء وجهه صونا للصلاحيات، في حين انتقل المشهد بعد الاستقالة الى مرحلة مجاهرة الحريري بعلاقته بعون وتبني أبوة الاخير له على الرغم من حبر وثيقة تفاهم الرئيس عون مع حزب الله الذي "يحمله في رقبته". فكان توقيعه على مرسوم اعطاء الاقدمية لضباط دورة العام 94 الختم والرصاصة في آن، التي استطاع من خلالها الرئيس عون توجيهها نحو ملعب رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي بدوره لم يتأخر في التقاطها بحنكة ودهاء، مطلقا لها مجددا بطريقة غير مباشرة وانما باتجاه الحريري وذلك من بوابة مخالفة اتفاق الطائف.
من هنا جاء رد الحريري على رسالة بري اليوم بالانسحاب قليلا من جلسة مجلس الوزراء على خلفية السجال الذي حصل بينه وبين وزير المال ووزير الزراعة حول ادراج البنود على جدول الاعمال معتبرا ان وضع جدول الاعمال هو من صلاحياته، الامر الذي لم يفعله في جلسات سابقة في امور حصلت اكثر مساساً بصلاحياته.
امام هذا المشهد علامة استفهام كبيرة تطرح عن التدخلات الخارجية ومدى تأثيرها في خلط اوراق المشهد السياسي على ابواب الانتخابات النيابية!
كل ما يمكن قوله في هذا الاطار ان المشهد السياسي الحالي ليس سوى انعكاس للوضع الخارجي وحاجات قواه من لبنان ودول المنطقة .
من هنا فإنّ أي تبدل في هذا المشهد سواء نتيجة انتخابات نيابية او بدونها لن يحرك في شكل المشهد اللبناني قيد انملة طالما انه مازال معلقا بمصير الصراع الدائر على مستوى القوى الكبرى لاسيما الصراع السعودي – الايراني حيث مازالت آفاق الحل مسدودة، على ما لذلك من انعكاس على الساحة اللبنانية بشكل خاص، وهذا ربما ما عكسه تصريح وزير الخارجية السعودية عادل الجبير على خلفية عدول الحريري عن الاستقالة معربا عن تأييد السعودية لذلك ولكنها سترى فيما اذا كان كل من حزب الله وعون سيقومون "بإعطاء الهامش السياسي للحريري من أجل تطبيق أجندته السياسية" والتي لاشك يجب ان تنسجم مع تطلعات المملكة بضرورة تقليص النفوذ الايراني في القرار السياسي الاستراتيجي اللبناني من خلال مصادرة حزب الله لدور باقي القوى السياسية. وهو أمر تدرك المملكة في سرها عدم امكانية حصوله لاسيما في ظل عجز الحريري وذوبانه في بحر العهد الجديد على ما اظهره ويظهره المشهد السياسي الحالي والمرشح للاستمرار ايضا الى ما بعد الانتخابات النيابية.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)