من دون سابق انذار، ومن دون مقدمات، يبدو أن المناخ السياسي آخذ في التحسن نسبيًّا، بعدما كادت الامور تصل في الاونة الاخيرة الى نفق لم يعتقد أحد من المتعاطين في الشأن السياسي أنه في الامكان الخروج منه بسهولة وبأقل اضرار ممكنة.
وفق آخر المعلومات أن مرسوم ترقية دورة ضباط العماد عون بدأت تتبلور ملامح ايجاد حل له، على "الطريقة اللبنانية" أو على طريقة " لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم"، بعدما كاد هذا المرسوم، الذي لم يعرف أحد كيف نُبش ومن أي درج أخرج، ينتج ازمة ميثاقية بين الرئاستين الاولى والثانية، وبعدما رفع كل فريق سقف مواقفه عاليًا، مع العلم أن هذا الأمرلم يكن في الاساس يستأهل كل هذه الضجة، باعتبار أن آلية الترقية عادة تتم وفق شروط معينة لا دخل لها بالطائفية أو المحسوبية، إذ أن إبعاد المؤسسة العسكرية عن الشأن السياسي هو أمر مطلوب لنجاحها في تأدية دورها على أكمل وجه، لأن ترك السياسيين يتدخلون في شؤونها سينعكس ضررًا عليها وعلى الوطن بأسره.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى الخطوة الجريئة التي قام بها قائد الجيش العماد جوزف عون عندما رفض إستخدام ما يحقّ له قانونًا باستعمال علامات الترجيح في قبول عدد من تلامذة ضباط المدرسة الحربية للحفاظ على التوازن الطائفي في حال لم ينل الضباط المنتمون إلى طائفة معينة العلامات الكافية التي تؤهلهم لدخول "الحربية" ولم يكن العدد المحسوب على هذه الطائفة مؤّمنًا.
فللترقية أصول يُفترض إتباعها من دون أن يكون للسياسة فيها أي دور، وذلك خشية الدخول في متاهات تحرف هذه الأفضلية عن مسارها الإستحقاقي، وتدخل البلاد في سجال هي في غنىً عنه في هذا الظرف الذي يقضي بتضافر كل الجهود من أجل مواجهة الإستحقاقات الداهمة بحدّ أدنى من التضامن الوزاري، إذ أن التجارب السابقة أثبتت أنه من غير المقبول أو المنطقي الإستئثار بأي قرار، أيًّا كان مستواه، وبالتالي عدم إقصاء أي مكّون من مكونات الوطن.
وعليه، فإن الواقعية السياسية فرضت على الجميع التعاطي مع هذا المرسوم بعقلانية، وبعيدًا عن الكيدية والمزايدات التي لا يمكن أن تنتج حلولًا، من دون أن يكون الحل المقترح، وهو بإعادة المرسوم إلى مربعه الأول وتوقيعه من قبل من يجب أن يوقعّه، على اساس أن لا غالب ولا مغلوب، وأن المصلحة الوطنية تقتضي الترفع عن الحسابات الشخصية والطائفية، وهذه السمة هي التي تميّز الحاكم العاقل والواقعي، الذي لديه رؤية للمستقبل وتقوم على اسس الشراكة الوطنية، وهذا ما ثبت بالحس والقرينة خلال أزمة الرئيس الحريري، حين تضامن أهل الحكم لإيجاد المناخ المؤاتي لعودته عن إستقالته، وقد لعب الرئيس نبيه بري دورًا محوريًا وأساسيًا في معادلة التوازنات الوطنية.