شغل رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب وليد جنبلاط موقعاً وسطياً يبدو أنه راقه كثيراً في ذروة الانقسام بين 8 و14 آذار. ثم انزاح قليلاً تجاه الحياد الإيجابي الذي ينأى بنفسه عن صراعات الفريقين.
الآن، وعلى أبواب الانتخابات النيابية يتموضع النائب جنبلاط في وضعية التفاهم مع الجميع، والصداقة مع الجميع، والابتعاد عن الخصامات. فهو يريد أن يبقي تفاهماً عريضاً في الجبل تحت عنوان الاستقرار والمصالحة. ولذلك استضاف رئيس "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية جبران باسيل على العشاء في جلسة عائلية في كليمنصو، ثم أوفد عضوي "اللقاء الديمقراطي" النائبين أكرم شهيب ونعمة طعمة إلى معراب للقاء رئيس حزب "القوات" سمير جعجع. وأعاد فتح قنوات التواصل مع رئيس الحكومة سعد الحريري برعاية رئيس المجلس النيابي نبيه بري في جلسة العشاء في كليمنصو. وفي الوقت نفسه يتابع رئيس التقدمي الاشتراكي في علاقته المستقرة مع حزب الله.
لا يريد أحد من القوتين الشيعيتين عزل جنبلاط أو تحجيمه، فحزب الله وحركة أمل نجحا في ارضاء رئيس التقدمي بضم الشوف وعالية في دائرة واحدة من دون بعبدا. يريد رئيس التقدمي الاشتراكي تشكيل ائتلاف انتخابي يحمي له قدر الامكان حصته. صحيح أن هذا القانون سيحافظ له على حصته الدرزية في الشوف وعالية والبقاع الغربي وبيروت وعلى حصته السنية أيضا، إلا أن "البيك" يهمس أنه يريد استرجاع المقعد الدرزي في بعبدا.
أما في قلب العرين الجنبلاطي، فإن ابا تيمور سيبذل قصارى جهده لتشكيل تحالف لا يشعره بطعم الخسارة، في ضوء الحديث عن خسارته للمقعد الارثوذكسي في راشيا لصالح التيار الوطني الحر. وبالتالي، فإن المهمة الاصعب أمامه ستكون في دائرة الشوف- عالية، فهو متمسك بالمقعد الكاثوليكي للنائب نعمة طعمة الذي لا يستفز رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وتربطه به علاقة جيدة، وتقصد ترشيح الوزير السابق ناجي البستاني من دير القمر لتمتعه بثقل ماروني في الشوف بعيدا عن الاحزاب السياسية، فضلا عن أنه حسم ترشيح إلى طعمة والبستاني كل من تيمور جنبلاط والنواب مروان حمادة وأكرم شهيب وهنري حلو، وهادي ابو الحسن في بعبدا، في حين ان الاسماء الاخرى كـ فؤاد السعد وايلي عون تنتظر جلاء صورة التحالفات ليبنى على الشيء مقتضاه.
وبانتظار أن يعلن جنبلاط أسماء مرشحي اللقاء الديمقراطي بشكل رسمي قريباً، تؤكد مصادر الاشتراكي لـ"لبنان24" أن هناك مقاعد مرتبطة بشكل وثيق بالتحالفات التي لم تتوضح بعد، مع تشديدها على منطق ضرورة تشكيل ائتلاف انتخابي يضم الأحزاب الموجودة في الشوف وعالية. ائتلاف يعبر عن واقع القوى السياسية كافة ويؤمن الشراكة والوحدة والتنوع والتمثيل الحقيقي للناس ويحمي مصالحة الجبل.
هذه الصورة السابقة الذكر ليست إلا مقدمة لمرحلة لم تنضج معالمها بعد، هي مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية. فالمجلس النيابي العتيد سيُنتخب وفق القانون الجديد (النظام النسبي مع تقسيم لبنان 15 دائرة) بغموضه وتعقيداته الحقيقية والمفتعلة. ذلك أن التحولات التي سينتجها القانون لن تكون، بحسب احد المتابعين للملف الانتخابي، كبيرة ولكنها نوعية وستشبه درجة الغليان التي هي درجة واحدة لكن على اساسها يتم تحويل الماء الى بخار.
صحيح أن التغيرات التي سينتجها القانون لن تكون كبيرة، لكنها قد تغير في مفهوم الأقلية والأكثرية، فقليل من المقاعد سينعش فريق 8 آذار ويجعله في موقع مختلف.
في ضوء ما تقدم، أين سيقف بيك المختارة؟ هل ستتيح له اللعبة الجديدة أن يبقى بيضة القبان؟ أم أنه سيمضي في لعبة الحياد الايجابي؟ أم انه سيُفعل براغماتيته المعروفة ويبدأ بمغازلة فريق 8 آذار والاقتراب منهم.
ما لم ينقشع المشهد الانتخابي على نتائج محددة، فإن "الجنبلاطي" "الضبابي" سيبقى عنوانا للاشهر الثلاثة المقبلة.