كثيراً ما طبّلت السلطة السياسية وهللت لإنجازها "العظيم" المتمثل بإقرار موازنة العام 2017، ولو منتهية الصلاحية على مشارف إنقضاء السنة المالية، على اعتبار أنّها أعادت الإنتظام المالي. يومها اختتم رئيس الحكومة سعد الحريري الجلسات المتلفزة "بالإعلان عن نهاية المخالفة والإلتزام باحترام المهل الدستورية والقانونية، والإنطلاق لإعداد موازنة العام 2018 برؤية اقتصادية وإدارية ومالية".
هذه المهل تنص في المادة 17 من قانون المحاسبة العمومية على وجوب أن يناقش مجلس الوزراء مشروع الموازنة قبل أول أيلول، وتنص المادة 83 من الدستور على أن تقدّم الحكومة لمجلس النواب المشروع في بدء عقد دورته العادية في تشرين الأول الماضي. تمّ تجاوز المهل بأربعة أشهر، وهو أمر اعتدنا عليه في لبنان عى رغم مخاطره وتداعياته السلبية، وعلى رغم أنّ وزير المال علي حسن خليل أرسل المشروع إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء،ولكنّه لم يُدرج بعد على طاولة النقاش الوزاري.
أمام الحكومة والمجلس النيابي الحاليين فترة لا تتعدى ثلاثة أشهر لإنجاز الموازنة، ولا يبدو أنّ المؤشرات تدلّ على نية الحكومة بإنجازها في المدى القريب، لاسيّما وأننا دخلنا في الفلك الإنتخابي و"مستلزماته" من سجالات لشدّ عصب الناخب وتحفيزه على التصدّي للخصم في صناديق الإقتراع، كما أنّ الجو السياسي الملوث بالخلاف على مرسوم من هنا وتعديل من هناك يغيّب التوافق السياسي المطلوب لإنجاز الإستحقاقات.
أيّ تداعيات لعدم إقرار الموازنة؟ خصوصاً أنّ لبنان مقبل على مؤتمرات دولية لدعمه، منها باريس 4، وروما للدعم العسكري، وبروكسل لدعم النازحين؟ وماذا عن قطع الحساب لعام 2016 الذي بقي معلقاً؟ وماذا عن زيادة الإنفاق االتي طلبتها الوزارات في الموازنة الجديدة؟
في التداعيات يلفت الخبير الإقتصادي الاقتصادي الدكتور غازي وزني في حديث لـ"لبنان 24" إلى "أنّ عدم إقرار الموازنة يرسل صورة سوداوية إلى مؤسسات المجتمع الدولي، مما يؤثر سلباً في تقييم لبنان لدى المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف، أمّا على صعيد المالية العامة فندخل في الفوضى وعدم الإنتظام المالي والهدر والفساد والمحاصصة، مما يؤدي إلى تفاقم العجز في المديونية والمالية العامة تماما كما حصل في السنوات السابقة. كما يعود الإنفاق وفق القاعدة الإثني عشرية، وينتج عن ذلك خلو الموازنة من الرؤى الإقتصادية والإجتماعية والإصلاحية، لتصبح مجرد أرقام خاصة بالنفقات والإيرادات".
الموازنة رهينة
الخلافات السياسية ترخي بثقلها على مشروع الموازنة، يرى وزني أنّ إقرار الموازنة خلال الفترة المتبقية أو عدم إقرارها يتوقف على التفاهم السياسي، واستمرار الخلافات يعني نسف الموازنة، وإضافةً إلى التفاهم السياسي المفقود، يحتاج اقرار مشروع موازنة 2018 الى مشروع قطع الحساب لعام 2016، الذي عُلّق في الموازنة السابقة، وهو غير جاهز، وفي هذا السياق يلفت أنّه لو كان هناك توافق سياسي لأوجدوا مخرجاً لقطع الحساب على الطريقة اللبنانية، ولو كان مخالفاً للدستور والقانون تماماً كما حصل عند إقرار موازنة 2017. أضاف وزني "هناك محطات لإقرار الموازنة العامة، في مجلس الوزراء أولاً ،ثمّ إحالتها إلى لجنة المال والموازنة النيابية ثم إلى الهيئة العامة، والقرار السياسي يؤدي إلى تسريع وتيرة المناقشات لتصل بسرعة أكبر إلى الهيئة العامة".
وعن الإنفاق المتوقع في موازنة العام 2018 أشار مصدر نيابي إلى ما سمّاها شهية مفتوحة لدى الوزراء في زمن الإنتخابات النيابية وهو ما يعرف بالإنفاق الإنتخابي، بحيث طلب الوزراء زيادة في الإنفاق في وزاراتهم، بلغ مجموع هذه الزيادات 2000 مليار ليرة، على رغم أرقام العجز في الموازنة والتي تستلزم تقشفاً، متسائلاً عن الجهة التي يمكنها تحمل هذه المبالغ، وعن قدرة الإقتصاد اللبناني على تحمل تبعات الزيادة في خدمة المديونية العامة، وهنا يلفت وزني إلى صعوبة زيادة الإيرادات أو إدراج ضرائب جديدة لتغطية الإنفاق المطلوب، "لأنّ كلّ الضرائب قد أُدرجت في موازنة عام 2017 ، إلّا إذا أستحدثوا بدعة ضرائبية جديدة،كما أنّ زيادة الإنفاق تؤدي إلى زيادة العجز وتلقائياً إلى زيادة الدين العام، وهذه التحديات تثير مخاوف لا سيّما وأنّنا في مرحلة انتخابات، بحيث تكون الموازنة غير منضبطة ".
هل تطال التداعيات السلبية الليرة واستقرارها؟
يجيب وزني "الليرة لا علاقة لها بالموازنة، هي محيدة عن الموازنة وعن الخلافات السياسية، واستطاعت خلال السنوات الماضية أن تكون بمنأى عن الجو السياسي، وأن تشكّل نوعاً من المناعة حيال الخلافات السياسية، لذا تستحوذ على ثقة اللبنانيين، كما أنّ الإحتياط لدى المصرف المركزي من العوامل الرئيسية الحامية للإستقرار النقدي، فضلاً عن السيولة المرتفعة لدى القطاع المصرفي بالعملات الأجنبية".
يُجمع الخبراء الإقتصاديون على أنّ عدم إقرار الموازنة ينعكس سلباً ليس على المالية العامة فحسب، بل على تقييم وكالات التصنيف الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للبنان، لاسيّما وأنّ المؤسسات المالية العالمية تراقب بدقّة المؤشرات المالية، لتبني على الشيء مقتضاه، وأبرز الآثار السلبية لعدم إقرار الموازنة ستطال مؤتمر باريس 4 المقرر في آذار المقبل، والتي تعوّل عليه الحكومة لدعمها اقتصادياً.