النفايات التي اجتاحت ساحل المتن وكسروان من الزلقا إلى ذوق مصبح قبل يومين ليست المشكلة التي تصدم. التعامل الرسمي مع أزمة النفايات منذ ثلاث سنوات هو الكارثة الوطنية مكتملة الأوصاف، والتي لا تتهدد صحة اللبنانيين ونظامهم البيئي والبحري والبري، وهواءهم وطبيعتهم، بل صورة لبنان ككل، ومصداقية أهل السلطة فيه، وليس أبلغ مما كتبته صحيفة "واشنطن بوست" من أن "لبنان يُعاني منذ وقت طويل من إنقطاع في الكهرباء والمياه، حتّى جاءت أزمة النفايات، إذ على رغم التوضيحات الرسمية، إلا أنّه لا يمكن إخفاء الرائحة النتنة"، وتابعت أنّ "الروائح المنبعثة من مطمر "الكوستابرافا" تستقبل المسافرين الآتين الى مطار رفيق الحريري الدولي".
هذه هي صورة الوضع الداخلي المأزوم لألف سبب وملف. يجهد المسؤولون في التهليل لـ "إنجازات" هي في حقيقة الأمر من أبسط واجباتهم كإقرار الموازنة أو إنجاز قانون انتخاب (ولو كان يحتاج قانوناً لشرحه)، فيما الحقيقة أن المشهد الداخلي يراوح بين سجال وسجال. حول النفايات، والفساد، وغياب الخدمات، والحريات، وتجاوز القانون والدستور باسم القانون والدستور، إذ هل يعقل أن يتم تجاوز وزير التربية في التوقيع على مرسوم استحداث كليات في الجامعة اللبنانية، وهل يقبل عاقل الظلم اللاحق بالناجحين بمباراة مجلس الخدمة المدنية لوظائف من الفئة الرابع بذريعة التوازن الطائفي؟!
من الترف، أو من السذاجة، ربما، المطالبة بحل جذري ونهائي لمشكلة النفايات. الذي ثبت أن هذه الأزمة أكبر من كل شيء. أكبر من أزمة الشرق الأوسط وصراع النووي وكل الملفات الداخلية، أزمة جعلت من البحر ينضح بما فيه من نفايات. لا شيء يشبهها في عبثيتها وشفافية تعبيرها عن مستوى الفساد في لبنان، سوى أزمة الكهرباء التي يتكرر الحديث عن حلها القريب.. من ربع قرن!!
بالمناسبة، يوم "طفحت" النفايات على شاطئ الذوق، ظهرت أضعافها على شاطئ عكار، لكن لا بواكي لتلك المنطقة، ولا بازارات انتخابية حولها، فبقيت المأساة طي الكتمان. ليس غريباً، فلبنان "ينتج" حوالى 940 طناً من النفايات الصلبة في اليوم الواحد. يجري تصريف 5% منها عشوائياً في المكبات، كما ينتج نحو 50 طناً من النفايات الصلبة الخطرة في العام، وكل ذلك لم يخضع لإطار معالجة علمي، بيئي، صحي.. فقط يدخل في بازار الفساد والانتفاع من المال العام.
هكذا، يكون التراشق السياسي العنيف على هذا الملف، نوعاً من التعمية المقصودة.. هل يعقل أن يبلغ الانفاق على موضوع النفايات منذ اندلاع هذه الأزمة قبل ثلاث سنوات قرابة الـ 200 مليون دولار، من دون أن يتحقق أي شيء في سبيل حلّها؟؟ من يتحمل فوضى المكبين الكبيرين وآثارهما البيئية والصحية، ومن ورائهما 940 مكباً عشوائياً؟ وأي حكم أو سلطة هي التي تغرق في أزمة نفايات ولا تستطيع بوزاراتها، ولجنتها النيابية، ومجلس إنمائها وإعمارها، وبلدياتها وكل عباقرتها من حلها؟! فقط في لبنان.