في الوقت الذي ظنّ فيه الناس أن حرب التغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي قد هدأت، كان مناصرو "حركة أمل" في استراحة المحارب، فمع حلول المساء أقدم بعض الشبان منهم على محاصرة مبنى مركز التيار الوطني الحر في "ميرنا الشالوحي" وعمدوا الى إشعال الإطارات احتجاجاً على كلام الوزير جبران باسيل بعدما نعَتَ رئيس مجلس النواب نبيه بري "بالبلطجي".
كانت ليلة حاميةٌ في بيروت، الا أن مظاهر الشغب التي تجلّت في اشعال الاطارات وقطع الطرقات، ما هي الا صورة اعتاد اللبنانيون على مشاهدتها عند كل رد فعل على اي حدث كبير. وفي تعليق لافتٍ حول ما جرى كتب الناشط "سامر شهاب" عبر حسابه على فايسبوك: "مشان الله لا بقى حدا يتطاول على الرئيس بري، كل مين عنده كلمة حلوة يحكيها وكل مين عنده كلمة عاطلة يحتفظ فيها، بدنا نعرف نروح على أشغالنا، ونرجع على بيوتنا. مريم البسام، جبران باسيل، تحسين خياط، إربت تنحل، شربل خليل، هشام حداد، مشان الله روقوها.."
هي ليست أسماءٌ عابرة وردت في هذا المنشور، ففي العام 2006 خرجت مظاهرات احتجاج مشابهة للأمس بوجه "شربل خليل" مخرج برنامج "بس مات وطن" حين أطلّ في احدى حلقاته مقلّدا "السيد حسن نصر الله" بأسلوب استفزازي أثار حفيظة مناصري "حزب الله" الذين خرجوا في مظاهرة حاشدة للمطالبة، عبر الشارع أيضا، باعتذار "خليل" ووقف بثّ البرنامج، داعين الى مقاطعة محطة الـ LBCI، الأمر الذي أحدث فوضى عارمة في شوارع بيروت وبثّ الذعر في نفوس المواطنين واستدعى في حينها وقف عرض البرنامج.
وفي العام 2012 حدث اعتداء على قناة الجديد على خلفية مقابلة مع الشيخ أحمد الأسير والّذي هاجم فيها وبلهجة قاسية أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله ورئيس حركة أمل نبيه بري، حيث تبين في وقتها ان الاعتداء جاء من قبل مناصرين لحزب الله وحركة أمل، فسارع رفاق المتهمين الى قطع الطرقات بالإطارات المشتعلة تضامناً.
والمشهد نفسه تكرر في شباط من العام 2017 حين أقدم مجموعة من أنصار "حركة أمل" بالاعتداء على مبنى تلفزيون الجديد في محاولة لاقتحامه احتجاجا على حلقة من برنامج شربل خليل الذي ورد فيه كلام عن الامام المغيب موسى الصدر ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
وفي حين توعّد "هشام حداد" بردٍّ قاسٍ الليلة ضمن برنامجه "لهون وبس" حيث شدّد ضمن مقابلة خاصة لإذاعة "جرس سكوب" على أنّ "سقف الحلقة لن يتغير وأنّ الحلقة القادمة سيكون سقفها عال جداً"، تخيّم على متابعي "حداد" حالة من الترقب والقلق والاستعدادات النفسية تحسّباً لأية ردة فعل مناهضة.
وفي تعليق على احداث الأمس، نفى النائب "علي بزّي" أن تكون هنالك أية علاقة لحركة أمل بما حصل في ميرنا الشالوحي، معتبراً أنها "حركة عفوية غير منظمة من مناصري الرئيس برّي" في حين اعتبر الرئيس "ميشال عون" ان "ما حدث البارحة على الصعيدين السياسي والأمني اساء إلى الجميع وادى الى تدني الخطاب السياسي الى ما لا يليق باللبنانيين"، مطالباً القيادات السياسية بالارتقاء الى مستوى المسؤولية لمواجهة التحديات والحفاظ على الاستقرار الأمني والوحدة الوطنية.
وقد علّقت الناشطة الاجتماعية "ندى شهال" على احداث الليلة الماضية بالقول عبر حسابها الشخصي على فايسبوك: "أسفي على شعب لا يتحرك لانقطاع الكهرباء ولا لطوفان الزبالة ولا لقتل النساء ولا للفساد ولا للبطالة ولا لاختلال العدل .. انما يتحرّك للزعيم".
في حين سخرت الناشطة "مريم ماجدولين" من الوضع الراهن ومن "الهاشتاغات" المعروضة ضمن تغريدة لها على تويتر معلّقة بالقول: "باسيل مش نبي تما يغلط وبرّي مش الله تما ينغلط فيه، روحوا يلعن قرفكن انتو التنين".
وفي جولة أفقٍ على ما يجري من تعدّيات وانقسامات سياسية وشعبية نجد أنه عند كل استحقاق سياسي لا بدّ من بعض "الحركشات" بهدف إثارة الشارع الذي سرعان ما يلبّي نداء "الزعيم" إن دعا، أو يسجّل موقفاً عشوائياً للتضامن معه ضد أي اعتداء. مواقف غالباً ما تتّسم بالغوغائية وتفرض على اللبنانيين حالة من التوتّر والقلق وقد تُدرج ضمن خانة "البلطجة" الاجتماعية الأمر الذي يدعم هجوم الوزير "باسيل" عوضاً عن رفضه، فإن كان كلامه بحقّ الرئيس برّي مُداناً ومستنكراً، إذ أن التعرّض بالإهانة الشخصية له هو أمر مرفوض يهبط بصاحبه من مقام الرّفعة الأخلاقية، الا أن الاحتجاجات الشعبية المناصرة لحزب أو تيار والتي تعمد الى اثارة الفوضى في الشارع والانزلاق في وحل ردود الفعل وأعمال الشغب وعبارات التخوين وإثارة الفتنة من شأنها أن تعرّض الاستقرار في الوطن الى الخطر وتساهم في التعطيل الإقتصادي وتعويم الفلتان الأمني الذي قد ينتج عنه تصادماً أهلياً في وطن لم يكد يخرج من حروب مدمرة لم تجف دماؤها بعد.
وفي الختام، لا بدّ وأنه على القيادات السياسية والحزبية في لبنان أن تلعب دوراً جوهرياً في حلّ التشنّجات الشعبية والتخفيف من حدّة الاحتقان والتحلي بالحكمة والمسؤولية في ضبط الشارع منعاً لأية تجاوزات قد تؤدي الى فقدان الاتزان الشعبي وضرب الوحدة في الجمهورية اللبنانية التي بدورها قد تتحول الى "العصفورية اللبنانية" ان استمرّ الحال على ما هو عليه.