لا يمكن التنبؤ بالأحداث الدراماتيكية التي كانت ستلحق بلبنان لو لم يتحرك المعنيون لاخراج البلد من نفق مظلم، دخله مطلع هذا الاسبوع اثر اشتباك التيار الوطني الحر وحركة أمل على خلفية تسريب فيديو رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل خلال زيارة له الى بلدة محمرش ووصفه الرئيس نبيه بري بـ"البلطجي".
انفرجت بعد ظهر أمس على خطي بعبدا – عين التينة، مع اتصال رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالرئيس بري، من منطلق تأكيده أنّ الظروف الراهنة والتحدّيات الماثلة تتطلب طي صفحة ما جرى أخيراً، والعمل يداً واحدة لمصلحة لبنان واللبنانيين. هذا الاتصال وصفه بري بالجيد، وجرى خلاله التداول في التهديدات "الاسرائيلية" الاخيرة بالنسبة الى "البلوك 9" في المنطقة الاقتصادية الخالصة، والجدار الإسمنتي الذي تعمل "اسرائيل" على إقامته على الحدود الجنوبية. وتم الاتفاق على عقد اجتماع الثلاثاء المقبل في القصر الجمهوري يضمهما، ورئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان حاضرا في بعبدا عند اتصال الرئيس عون برئيس المجلس. علما أن الحريري لم يقم باية مساعي لحلحة الاوضاع على خطي الرئاستين الاولى والثانية، تقول مصادر مطلعة لـ "لبنان 24".
فهل أنهى الاتصال الرئاسي الاشتباك بين حركة أمل والتيار الوطني الحر؟
يقول قطب سياسي بارز إن نقاط الالتباس العميقة بين الطرفين من الصعب معالجتها قبل الانتخابات النيابية المقبلة، وليس من المتوقع أن يجد إشكال الرئيس بري – الوزير جبران باسيل طريقه الى الحل الجذري، مع إشارته إلى أن تسريب الفيديو يختلف عن مرسوم الاقدميات. الكلام المسرب شكل قضية متفجرة من طبيعة مختلفة. ذيولها ومفاعيلها وجدت امتدادها في الشارع بتأثيراته الخطيرة غير القابلة للضبط احيانا، كما حصل ليل الاربعاء في الحدث وكما حصل قبل ايام في ميرنا الشالوحي. في حين أن المرسوم هو خلاف إداري- سياسي- دستوري قابل للاحتواء والضبط.
انصبت المبادرات بعيدا عن الاضواء وبمستويات مختلفة للتهدئة. بعضها قادها حزب الله على أعلى المستويات، وبعضها الاخر على مستوى فردي من قبل سياسيين وشخصيات فاعلة على غرار المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم.
ويعتبر القطب نفسه أن اعتذار الرئيس بري من اللبنانيين عن أي ضرر لحق بهم، كان بمثابة موقف مساعد في القول إنه عندما تستدعي المصلحة الوطنية أن يكون هناك اعتذار، يجب أن لا يقف المرء عند أي اعتبار شكلي. وإذ يشير إلى أن رئيس الجمهورية لم يتطرق والرئيس بري الى كلام باسيل، يؤكد القطب السياسي ضرورة أن يقابل الوزير البرتقالي خطوة بري بالمثل.
لم ولن تترك المشكلة. ثمة جهود متلاحقة لمعالجتها جذريا. لكن من غير المنطقي القول إن الازمة انتهت. صحيح أن محاولات احتوائها نجحت، بيد أن المعالجة تحتاج إلى شيء اخر، يؤكد القطب نفسه. وما تمخضت عنه الاتصالات قطع الطريق على تفاقم المشكلة والحؤول من دون أن تترك تاثيراتها الحاسمة على وضع المؤسسات ووضعية الشارع لدى الطرفين.
هذا الاسبوع الذي لم تجتمع فيه الحكومة شكل فرصة سانحة لتكثيف التفاوض المستمر كي يكون الاجتماع المقبل ممكنا. فالحكومة باقية. لن تدخل في حالة موت سريري، لكن ذلك لا يلغي فكرة تعثر عملها وعدم قدرتها على الانتاج في معالجة الملفات الكثيرة على جدول الاعمال.
تدرك الأطراف المختلفة أن أخطر ما شهدته الايام الماضية محاولة "إسرائيل" الدخول على خط الاصطياد في الماء العكرة، فاشعال مشكلة مسيحية – شيعية من شأنها أن تهدد تفاهم مارمخايل، بخاصة بعد البيان الوزاري الذي صدر عن حزب الله وبدا منحازا للرئيس نبيه بري بفعل أولوية الموقف الشيعي.
ويشدد القطب نفسه على أن حزب الله ورغم حراجة اللحظة السياسية إلا أنه يتمسك بتفاهمه مع التيار الوطني الحر تمسكا ثابتا وأبديا. فمعمودية مار مخايل حاجة استراتيجية لكلا الطرفين. وربما ما حصل يستدعي إعادة تقويم شاملة وعميقة للمصالح الكبرى المشتركة التي من المفترض أن تجعل الخلافات المتفجرة بين عين التينة والرابية مسألة شاذة واستثنائية وغير ذات معنى في السياسة.