غريب هذا اللبناني الذي يعتاد على كل شيء.
في اليوم الأول لمنظر الزبالة المكوّمة على الطرقات، والتي تضيّق علينا الحصار يوماً بعد يوم، كيفما ذهبنا واينما حللنا، قامت القيامة ولم تقعد، وهكذا استمرت الحال طوال أيام معدودة، ونزلت الناس إلى الشوارع، حتى أصبح هذا المنظر "الجميل" من عاديات الأمور، نمرّ من أمامه وكأننا نمرّ من أمام معلم من معالمنا التاريخية، الذي أصبح هو أيضاً من عاديات يومياتنا، في حين يندهش السياح لرؤيتهم ما لا نقدّر ولا نعيره اهتماماً.
لقد رضينا، مكرهين، بالزبالة، وهي لم ترضَ بنا، وكأنها تهزأ بنا في كل مرة نمرّ من أمامها ونكتفي بهزّ الرأس أو بقلب الشفاه. ومرة بعد مرة ترتفع جبالها من حولنا وكأنها تتحدى الطبيعة، إذ أصبح في كل حي جبل يخلّد ذكرى دولة لم يعد فيها سوى اسمها، يسكنها شعب قيل عنه "عظيم" و"اشرف الشرفاء"...
وبما يشبه "اللعنة" التي تلاحقنا حتى في أدّق أدّق التفاصيل، ولسوء الطالع، تزامن عصر الزبالة مع موجة حرً لم يشهدها لبنان من قبل لتزيدنا تأففاً وتذمراً، ولكن هذه المرة، نقف جنباً إلى جنب في الصفوف الطويلة العريضة التي تسأل: وينيي الدولة؟
عن جدّ وينيي الدولة؟
الدولة، ياحبيبي، موجودة في نيس والكوت دي فوار وكان، وفي خبر كان، ضميره مستتر ومنفصل عن الواقع!
ومع موجة الحرّ هذه وتكدّس الزبالة جاءت شركة اللاكهرباء لتبشرنا بأنها ستضطر الى خفض ساعات التغذية إلى ما دون المستوى العادي، الذي هو عادة أقلّ من العادي، من دون أن تجسر على تحديد هذا الوقت، بل اكتفت بالاشارة إلى أن هذا الأمر قد يستغرق أياماً معدودة. وفي الغالب هذه "المعدودة" تكون غير مقيدة بتوقيت محدّد.
وُعدنا بالـ 24 ساعة كهرباء في صيف 2015، فسقط الرقم 2 وبقيت الـ 4، مع ألف "تربيح جميلة"، ومع هذا كله لا يعجبنا العجب. غريب كيف لا نرضى بالقليل، ولا نعرف قيمة النعمة.
والانكى من كل ذلك أن من يبني أمجاده المستقبلية يستند إلى انجازاته الوزارية، وما أكثرها!
شو بدنا بالسياسة خلينا بالزبالة، إلاّ إذا أراد أحد الربط بين قواسمهما المشتركة، فعندها يطول الحديث.
("لبنان 24")