الذين قرأوا البيان الصادر أمس الأول على أثر الإجتماع الثلاثي في قصر بعبدا، ومن بينهم عدد من الديبلوماسيين، توقفوا مليًّا عند مضمونه، وقسمّوه إلى ثلاثة عناوين رئيسية، في وقت كان الناطق باسم قوات الطوارىء الدولية العاملة في الجنوب أندريا تيننتي يعلن أن "الجانب الإسرائيلي بدأ فعلاً تنفيذ أشغال جنوب الخط الأزرق".
العنوان الأول والمتضمن موقف لبنان من التهديدات الإسرائيلية والمتمثلة بعزم اسرائيل على بناء جدار اسمنتي قبالة الحدود الجنوبية وفي نقاط على "الخط الازرق"، اضافة الى الادعاءات التي اطلقها وزير الدفاع الاسرائيلي حول ملكية المربع الرقم 9 في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وذلك بالتزامن مع اطلاق لبنان مناقصة تلزيم والتنقيب عن النفط والغاز فيها.
ورأى هؤلاء المهتمون بالوضع اللبناني أن من حقّ لبنان أن يدافع عن سيادته بكل الوسائل المتاحة وفق ما تنصّ عليه المواثيق الدولية وعدم إعطاء إسرائيل أي ذريعة لشنّ حرب على لبنان بعد سلسلة المواقف الصادرة عن أكثر من مسؤول إسرائيلي، وكان آخرها ما قاله ضابط اسرائيلي بأنّ "حزب الله" يمتلك صواريخ دقيقة من صناعة إيرانية قادرة على إصابة منصات الغاز الإسرائيلية. وأدّعى أن "الحزب يمتلك الآن قدرات لتنفيذ عمليات هجومية على أهداف بحرية من خلال استخدام الزوارق البحرية، منوهاً أن "حزب الله قد نجح في مضاعفة قوته البحرية في ظل التواجد الإيراني في المنطقة".
ورأى هؤلاء في هذه التصريحات تهيئة الإسرائيليين نفسيًا لما يمكن أن تقدم عليه إسرائيل من "حرب إستباقية" بحجة حماية منصاتها الغازية، مما يرسم أكثر من علامة إستفهام حول النوايا الإسرائيلية العدوانية، والتي من شأنها إذا ما تُرجمت أن تدخل لبنان والمنطقة في حرب يُعتقد أنها ستكون هذه المرّة شاملة.
وفي رأيهم، وإستنادًا إلى تقارير ميدانية، فإن "حزب الله" مستنفر بكل ما لديه من قوة لمواجهة أي مغامرة إسرائيلية متوقعة، وهو بات على أتمّ الجهوزية الميدانية بعدما كانت له مساهمات فعالة في الحرب السورية.
واستند هؤلاء في تحليلهم للوقائع إلى ما ورد في البيان الرئاسي الذي دعا المجلس الأعلى للدفاع إلى الإجتماع بهدف اتخاذ ما يناسب من قرارات تمنع التعديات الاسرائيلية وتحول دون حصول أي تدهور أمني في المنطقة الحدودية، مؤكدين أن المسؤولين اللبنانيين في جو ما تحضّر له إسرائيل على حدودها الشمالية.
أما العنوان الثاني الذي توقف عنده هؤلاء الديبلوماسيون فتمثل بما تمّ التوافق عليه لمعالجة ما شهدته الساحة اللبنانية من احداث خلال الايام العشرة الماضية واسبابها، من خلال المؤسسات الدستورية وفقا للدستور والانظمة والقوانين المرعية الاجراء، مؤكدين وجوب التزام وثيقة الوفاق الوطني التي ارتضاها اللبنانيون بهدف المحافظة على وحدتهم الوطنية وصيغة العيش الفريدة التي تميزهم وعدم السماح لاي خلاف سياسي بأن يهدد السلم الاهلي والاستقرار الذي تنعم به البلاد.
وربطوا بين ما تخطّط له إسرائيل وبين الإستقرار الداخلي، الذي يعتبرونه "خطًّا أحمر" من غير المسموح لأي كان تجاوزه، أيًّا تكن الأسباب والمبررات، وهم يعتقدون أن الجيش اللبناني والقوى الأمنية قادران بما يملكان من إمكانات وقدرات وإرادة على الحفاظ على الإستقرار الداخلي، خصوصًا أن ثمة إجماعًا داخليًا على دوره كصمّام أمان لجميع اللبنانيين المؤمنين بدولتهم، على رغم الخلاف السياسي القائم في البلاد.
وتوقف هؤلاء الديبلوماسيون عند العنوان الثالث الوارد في البيان وهو إقبال لبنان على المشاركة في مؤتمرات دولية نظمت خصيصا من أجل مساعدته على تعزيز قواه العسكرية والامنية، والنهوض باقتصاده، وتمكينه من مواجهة التداعيات السلبية التي نتجت من تدفق النازحين السوريين الى اراضيه على الصعد الامنية والاقتصادية والصحية والتربوية والاجتماعي، ولا سيما منها مؤتمري "باريس 4" ومؤتمر روما المخصص لدعم الجيش اللبناني.
ويستنتج من كل ما تقدم أن لبنان مقبل على مرحلة في غاية الدقة قبل أن يصل إلى السادس من أيار، موعد الإنتخابات النيابية التي ستجرى وللمرة الأولى منذ الإستقلال على اساس النسبية، مما يعطي الأمل بإنتاج سلطة سياسية قد تكون مغايرة، ولو بنسبة محدودة، وسط ما يتهدّده من مخاطر وما يواجهه من تحدّيات.