كثيرةٌ هي الشواهد التاريخيّة التي تجعل من الجائز القول إنّ قواعد الحسابات الاستراتيجيّة بين الدول الكبرى غالبًا ما تستوجب اعتمادَ تكتيكاتٍ جديدةٍ ومفاجئةٍ عند الضرورة من أجل المحافظة على شروط التكافؤ في مكيال التوازن الدوليّ لدى احتدام الصراعات على المصالح والنفوذ في العالم، ولكنّ التطوُّرات السياسيّة والعسكريّة التي استجدَّت على الساحة السوريّة في الآونة الأخيرة، وفقًا لما دلَّت إليه حصيلةُ رصدِ قاعدةِ بياناتِ الحسابات الأميركيّة المستخدَمة في مواجهة التفوُّق الروسيّ – التركيّ – الإيرانيّ هناك، تبدو كافيةً حتّى هذه اللحظة للتأكيد على أنّ تكتيكاتِ واشنطن المستحدَثةَ في مجال التعاطي مع تداعيات الملفّ السوريّ، بلغت بالفعل حدًّا من التهوُّر غير المسبوق من حيث ارتفاع منسوب خطورته على مرِّ الأعوام السبعة الماضية، وهو التهوُّر الذي تجلّى يوميْ أمس وأوّل من أمس، بأبشع صوره، بعدما أسفرت ضربات التحالف الدوليّ الجوّيّة بقيادة الولايات المتّحدة عن مصرعِ مئةِ مقاتلٍ ممَّن وصفَهم بيانٌ رسميٌّ أميركيٌّ بأنّهم ينتمون إلى "قوّاتٍ مواليةٍ للنظام السوريّ"، ردًّا على قيامهم بـ "هجومٍ غيرِ مبرَّرٍ" على مقرِّ قيادة "قوّات سوريا الديمقراطيّة" في دير الزور.
لا شكّ في أنّ هذه الضربات الجوّيّة، وبغضّ النظر عمّا إذا كانت تحمل في طيّاتها رسائلَ موجَّهةً إلى دمشق وحدها أو إلى عواصم الدول الثلاث التي أثبتت جدارتها مجتمِعةً في مجال التعاطي مع الحالة السوريّة الراهنة، أيْ موسكو وأنقرة وطهران، سرعان ما عكسَت على أرض الواقع مدى الإحباط الذي تشعر به واشنطن جرّاء إحساسها المتأخِّر بأنّها أوشكت على خسارة رهانها الأخير في مجال السعي إلى تثبيت أقدام جنودها حيثما ينتشرون في الشمال السوريّ، الأمر الذي يفسِّر سبب استخدام مصطلح "ضرباتٍ انتقاميّةٍ نادرةٍ" في تصريحات معظم المسؤولين الأميركيّين لدى تحدُّثهم عن الغارات التي شنَّتها مقاتلات بلادهم نهار الأربعاء لصدِّ "الهجوم غيرِ المبرَّر" على مقرِّ القيادة المذكور في دير الزور، خلافًا لما كان عليه الحال عام 2016، عندما استهدَفت المقاتلات نفسها قافلةً عسكريّةً للجيش السوريّ في دير الزور أيضًا، وادَّعى المسؤولون الأميركيّون في حينه بأنّ "الغارة شُنَّت عن طريق الخطأ".
وإذا كان الخطأ المقصود قد ارتُكب وقتذاك على خلفيّة البشائر التي انبثقَت عن نجاح جهود الثلاثيّ الروسيّ – التركيّ – الإيرانيّ الضامن لمرجعيّة أستانا في إقامة مناطق خفض التصعيد في سوريا، وما تحقَّق إثر ذلك من انفراجاتٍ ملموسةٍ في شتّى المجالات السياسيّة والعسكريّة، فإنّ "الضربات الانتقاميّة النادرة" الأخيرة يمكن أن تُجيز القول إنّها جاءت هذه المرّة على خلفيّة البشائر التي انبثقَت عن نجاح الثلاثيّ نفسه في تجاوز قطوع مؤتمر الحوار الوطنيّ السوريّ الذي استضافته مدينة سوتشي أواخر الشهر المنصرم بسلامٍ، على رغم كافّة العقبات والمطبّات التي وُضِعت في طريقه، الأمر الذي يُفسِّر سبب مسارَعة الرؤساء فلاديمير بوتين ورجب طيّب أردوغان وحسن روحاني إلى الاتّفاق على عقدِ قمّةٍ جديدةٍ تجمعهم في إسطنبول، بغية التباحث حول آخر المستجدَّات على الساحة السوريّة، وفي مقدِّمتها عفرين وإدلب والوضع الإنسانيّ في الغوطة الشرقيّة، بحسب ما أعلنه المكتب الصحافيّ في الكرملين في أعقاب إجراءِ مكالمةٍ هاتفيّةٍ يوم أمس الخميس بين الرئيسين بوتين وأردوغان، وهي المكالمة التي تمَّ الاتّفاق خلالها أيضًا على رفع مستوى التنسيق بين القوّات وأجهزة الأمن الروسيّة والتركيّة في مكافحة الإرهاب، وكذلك على أهمّيّة "الالتزام الصارم" باتّفاقيّات أستانا حول سوريا.
من هنا، وبالنظر إلى أنّ رياح أستانا لطالما جرت على الدوام بعكس ما تشتهيه سفن الولايات المتّحدة، وعطفًا على ما كان موقع "لبنان 24" قد أشار إليه نهار الثلاثاء الماضي بخصوص الشبهات التي تحوم حول احتمال تورُّط الأميركيّين في تسليحِ ودعمِ فصائلَ إرهابيّةٍ في سوريا، ولا سيّما تلك الشبهة المتعلِّقة بسبب تحليقِ طائرةِ استطلاعٍ أميركيّةٍ على علوِّ سبعةِ آلافِ مترٍ فوق حميميم وطرطوس أثناء تعرُّض القاعدتيْن الروسيّتيْن هناك الشهر الماضي لمحاولةِ استهدافهما بصواريخَ موجَّهةٍ من ثلاثَ عشرةَ طائرةً من دون طيّارٍ، يُصبح في الإمكان القول إنّ "الضربات الانتقاميّة النادرة" التي وجَّهتها المقاتلات الأميركيّة ضدّ القوّات الموالية للنظام السوريّ في دير الزور، إنّما تندرج في سياق قواعد الحسابات الاستراتيجيّة بين الدول الكبرى التي غالبًا ما تستوجب اعتمادَ تكتيكاتٍ جديدةٍ ومفاجئةٍ عند الضرورة من أجل المحافظة على شروط التكافؤ في مكيال التوازن الدوليّ لدى احتدام الصراعات على المصالح والنفوذ في العالم.
ولكنْ إلى أيِّ مدى يجوز القول إنّ الولايات المتّحدة تمتلك غطاءً شرعيًّا للقيام بذلك، طالما أنّ القانون الدوليّ، إذا ما فُسِّر تفسيرًا صحيحًا، يعتبِر وجود جنودها على الأراضي السوريّة بمثابةِ قوّاتٍ محتلَّةٍ لا أكثر ولا أقلّ؟
سؤالٌ، أغلب الظنّ أنّ الإجابة عنه ستحمل في طيّاتها خليطًا عجيبًا بين ما هو عسكريٌ تهوُّريٌّ وما هو سياسيٌّ انتحاريٌّ.. وحسبي أنّ الموقف الأصدَق في مجال التعبير عن هذا الواقع يكمُن في فحوى ما أعلنته وزارة الدفاع الروسيّة البارحة عندما أكَّدت على أنّ قصف الولايات المتّحدة للقوّات الموالية للحكومة السوريّة أظهر حقيقةً مؤدّاها أنّ الأميركيّين لا يسعون إلى مكافحة "داعش" بقدر ما يسعون إلى الاستيلاء والسيطرة على "الأصول الاقتصاديّة" التي تعود ملكيّتها للجمهوريّة العربيّة السوريّة، وهو الموقف الذي لا بدَّ من أن تتَّضح أبعاده أكثر فأكثر إذا ما أخذنا في الاعتبار أنّ الهدف من وراء صدِّ الهجوم الأخير للقوّات الموالية للنظام السوريّ، ما أسفر عن سقوطِ مئةِ قتيلٍ بينهم، كان يتركَّز على محاولة إبقاء حقول خشّام النفطيّة في دائرة النفوذ الأميركيّ، ولا سيّما بعدما كانت هذه الحقول قد شكَّلت بين عاميْ 2014 و2017 مصدَرًا مهمًّا لإيرادات تنظيم "داعش" الماليّة.. وحسبي أنّ البيت في القصيد يكمُن هنا، وما على السوريّين إلّا اليقين.