جولة جديدة من الغارات "الإسرائيلية" على أهداف في سوريا تمثلت بهجوم نفذه العدو على بعض المواقع العسكرية في المنطقة الوسطى، في محاولة من "إسرائيل" لإثبات دورها كشريك في الحل السوري، خاصة بعد سلسلة زيارات دورية لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى موسكو. لكن المفارقة هذه المرة، أن الدفاع الجوي السوري تصدى للهجوم "الإسرائيلي"، وأصاب طائرة من طراز F16 قبل أن تسقط قرب منطقة تدعى "هار دوف" في محيط بلدة شفا عمرو بالجليل المحتل عام ثمانية وأربعين.
وبحسب مصادر مقربة من "حزب الله" لـ "لبنان24" فإن جولة يوم أمس خلقت وقائع حاكمة جديدة. غيرت من طبيعة المعادلات. مست الاستقرار بقواعد الاشتباك. قواعد كانت إسرائيل حريصة أن تبقى وفق المعمول به بالبعد السوري الذي يسمح لها أن تضرب حينما تشاء وأن تُغير متى تشاء.
لم يعد بإمكان إسرائيل التصرف وكأن شيئا لم يكن. ما جرى أحدث صدعاً في التفوّق لسلاح الجو. وهذا ما دفع نتنياهو إلى الطلب من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية التدخل وإيقاف تدهور الأوضاع على الحدود الشمالية.
وتقول المصادر نفسها، إن قدرة "إسرائيل" اختبرت أمس، وتبين أن"القوة التي لا تقهر" غير جاهزة لمواجهة متدحرجة عكس كل ما يقال، ولا ترغب بالتصعيد، فجبهتها الداخلية خاصرة رخوة ارتبكت جراء صواريخ أطلقت على طائرات في الجو، بدليل فتح الملاجئ العامة.
وتشدد المصادر على أن حلف المقاومة أراد تظهير الإرادة الجامحة بقطع دابر الغطرسة "الإسرائيلية" فوق سورية؛ فالتصدي أتى أولا في سياق فشل زيارة نتنياهو إلى موسكو ومحاولة استجدائه إحداث تغييرات بقواعد ما جرى تثبيتها في الجبهة الجنوبية، وثانيا بعد إسقاط جبهة النصرة طائرة روسية من طراز "سوخوي 25 قبل أيام واتهام روسيا للولايات المتحدة بتزويد النصرة بأسلحة نوعية، رغم إنكار الأميركي ذلك.
بالنسبة لمصادر نفسها، فإن تطور الأمس يحاكي الهجوم التركي لعفرين إذا لم تلتزم أنقرة بالضمانات الروسية ويحاكي الوجود الأميركي في الشرق السوري بعد غارة دير الزور لان ساحات المواجهة واحدة، فهو بمثابة رسالة للأميركيين بان اللحظة الميدانية لم تعد تحتمل مغامرات عسكرية.
وباعتقاد المصادر أن الدفاعات الجوية السورية استخدمت صاروخ "سام-5 S-200 "الروسي لإسقاط طائرة أف 16 الأميركية الصنع، بالتنسيق مع روسيا. والصاروخ، بحسب وسائل إعلام حربية وعسكرية وأمنية،هو منظومة دفاع جوية روسية بعيدة المدى، تستخدم للتصدي للأهداف المتوسطة إلى عالية الارتفاع.
يؤكد ما تقدم، وفق المصادر نفسها، تقاطع دمشق وموسكو وطهران حيال مستجدات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي وما بعده؛ وعدم تجاوب واشنطن مع مساعي الحل وتدخلها المباشر عبر قصف التحالف الدولي القوات الحليفة لروسيا التي كانت تقاتل "داعش" و"قسد" بالريف الشرقي لدير الزور شرق نهر الفرات.
لكن مهما تكن الأسباب، يمكن قراءة تطورات يوم أمس، بحسب مصادر دبلوماسية لـ "لبنان24" من زاوية الحزم الروسي بالرد على أي تجاوز أميركي للخطوط الحمر، ومن زاوية الحسابات الإيرانية - السورية أن عنصر المفاجاة موجود. فلدى دمشق ومحور المقاومة مجتمعاً، بحسب مصادر إيرانية، القدرة على إحداث التوازن؛ والصواريخ التي استخدمت ليست بالضرورة أرقى ما يملك الجيش السوري. فلدى دمشق وحلفائها إمكانات جوية وصاروخية قادرة على استهداف القوة الجوية "الإسرائيلية" ولديهم الجاهزية لأية مواجهة.
وتقول مصادر نيابية سورية لـ"لبنان24" أن الجانب "الاسرائيلي" يعمل على مخاطبة الجبهة الداخلية وحفظ ماء "سلاح جوه". فحجم اشتباكات يوم امس انتهى بالرد والرد عليه. مرحلة التصعيد حقيقية لكنها محدودة. الاسرائيلي يعلم أن الأمور لن تسير بالشكل الذي يريده، هناك قرار استراتيجي من القيادة السورية بالرد على إي اعتداء. وبالتالي أي تهور جديد سيعقبه رداً لن يقتصر على سورية فحسب، إنما سيشمل المنظومة الاقليمية الكاملة الممتدة من إيران مرورا بفلسطين، وصولا إلى لبنان وسورية والعراق.
مع إسقاط طائرة مسيرة (دون طيار) طائرة من طراز F16، أسقط خيار الحرب، تقول مصادر عسكرية لـ "لبنان24". فقواعد الاشتباك تغيرت، وجرى ترسيخ معادلة ردع جديدة ليست في مصلحة "اسرائيل". وفي هذا الاطار أتى بيان حزب الله أمس ليؤكدبشكل قاطع سقوط المعادلات القديمة، ويعلن وقوفه إلى جانب الشعب السوري في الدفاع عن أرضه وسيادته وحقوقه المشروعة، في ضوء دخول العدو على خط الأزمة السورية من بوابة العدوان والتهديدات ودعمه للإرهاب.
لقد مثلت تطورات يوم أمس رغم خطورتها قوة دفع للبنان في مواجهته "إسرائيل" في ما خص البلوك التاسع أو الجدار الاسمنتي. وتعتبر المصادر المقربة من حزب الله أن زيارة وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون لبنان الخميس المقبل ستكون ضعيفة تجاه "محور المقاومة وان محادثاته ستكون صعبة"، خاصة أن التناغم الأميركي - "الإسرائيلي" ما بين العسكر والسياسة ليس على موجة واحدة".