منذ إندلاع شرارة الحرب السورية، وبعد الازمة الآخذة في التفاقم بين الرياض وطهران، وبعدما دخلت دوامة اليمن إحدى اخطر حلقاتها المأسوية في تاريخها الحافل بالإضطرابات، أصبح لإيران دور محوري في المنطقة، وهي باتت تتعامل مع تطوراتها على هذا الاساس، من خلال دخولها المباشر على خطّ العراق، فضلًا عن تواجدها بقوة على الساحة اللبنانية من خلال "حزب الله" وإمتداد نفوذها في العمق السوري، مما سمح لها بأن تقول بأنه لن يتقرر أي شيء في أربع عواصم دول عربية (بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت) ما لم يكن لإيران رأي مؤثّر في ما يُتخذ من قرارات وما يُرسم من مخططات.
وقبل إنتقال سلطة الإدارة الأميركية إلى تحت جناح الرئيس الحالي دونالد ترامب كانت إيران قد حجزت لنفسها مقعدًا دائمًا على طاولة المفاوضات النووية، وهي استطاعت تغيير قواعد اللعبة من خلال الجولات الكثيرة التي عقدت بين وزير خارجيتها جواد ظريف ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، والتي انتهت برفع واشنطن العقوبات الإقتصادية عن إيران، مما سمح لها بأن تكون لاعبًا تتخطى حدوده المساحة الجغرافية المحصورة ضمن جدران جمهوريتها الإسلامية.
ولأن الساحة السورية أصبحت ملعبًا دوليًا تداخلت فيه مصالح الدول العالمية (روسيا والولايات المتحدة الأميركية) وكذلك مسرحًا لعرض عضلات الدول الإقليمية (تركيا وإيران)، أرادت إسرائيل ألاّ تكون خارج لعبة الأمم، وأختارت أن تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران، في معركة قالت عنها أنها أقل من حرب وأكثر من مواجهة، مما يعني أن تل أبيب وقعت في فخّ نصبته لها طهران وأجبرتها على الدخول إلى عمق الأزمة السورية من البوابة الخطأ عن طريق إستفزاز جنرالاتها عبر خرق إحدى طائراتها المسّيرة للأجواء الإسرائيلية، مع لمها المسبق بردّة فعلها، حيث كانت المضادات الأرضية في حال ترقب وإنتظار لتدفيع إسرائيل ثمن السماح لنفسها باللعب خارج ملعبها وكسر هالة تفوقّها الجوي مقابل تكريس معادلة جديدة تقوم على مبدأ توازن الردع، التي سبق لـ"حزب الله" أن فرض قواعده في "حرب تموز"، بعدما أصبح قوة رادعة من خلال منظومة ترسانته الحربية، التي باتت مصدر قلق لتل أبيب، خصوصًا بعدما فرض الحزب نفسه طرفًا معادلًا وموازيًا للقوى الإقليمية المنخرطة في الحرب السورية، وهو الذي أستطاع أن يكون سندًا أساسيًا للنظام السوري في مواجهة مخطط كسره في عقر داره.
وهكذا ومن دون أن تدري تورطّت إسرائيل في لعبة لم تكن مستعدة لها وكرّست إيران كقوة إقليمية في المنطقة، وتحوّلت من لعب دور "البعبع" إلى دور ثانوي من خلال تثبيت قواعد جديدة لتوازن الرعب بعد معادلة الـ "اف 16" في مواجهة الـ"سام 5"، وهذا الأمر فتح الباب واسعًا أمام التحليلات والإحتمالات بدما أصبح خيار الحرب خاضعًا لمنظومة جديدة من المعادلات، التي لم تعد تشبه بحيثياتها ظروف الحروب الماضية.
وهذا التطور يسمح بالذهاب في التحليل بعيدًا ليصّب في خانة إستبعاد أي حرب قد تقدم عليها إسرائيل عبر حدودها الشمالية بذريعة ضرب مصانع تصنيع الأسلحة الإيرانية التي يشّغلها عناصر من "حزب الله" داخل الأراضي اللبنانية، وهي كانت قبل سقوط الـ "أف 16" تروّج لإحتمال قيامها بغارات جوية متتالية لضرب هذه المصانع.