تعتبر موازنة العام 2018 بمثابة مستند ضروري في أيدي الدولة المانحة، لكي تقدّم على أساسه مساعداتها إلى لبنان خلال المؤتمرات الدولية. وبطبيعة الحال تنتظر هذه الدول موازنة مختلفة عن تلك التي أُقرّت عام 2017، أي موازنة إصلاحية تعكس جدّية الحكومة اللبنانية بوقف مسيرة الهدر وخفض العجز وإصلاح الوضعين المالي والإقتصادي. وانطلاقاً من هنا تطالب البعثات الدولية التي تزور لبنان تحضيراً لمؤتمر"باريس 4"، بإقرار الموازنة العامة كشرط لإنجاح المؤتمر.
ولكنّ المشهد أبعد ما يكون عن الصورة التي يجب على لبنان المالي أن يقدّمها عن نفسه إلى الدول المانحة ليقنعها بجدوى دعمه، بحيث تسطّر الحكومة المخالفة تلو الأخرى، مرةً بعدم إنجاز قطع الحساب وأخرى بتجاوز المهل الدستورية المحددة في الدستور لإرسال الموازنة إلى المجلس النيابي. وبدل أن تسّرع بحثها وإقرارها في مجلس الوزراء أقرّت الحكومة مبدأ الصرف وفق القاعدة الإثني عشرية، مرتكبة ًمخالفة دستورية أخرى، كون هذه القاعدة لا يجوز اعتمادها قاعدة للصرف لأكثر من شهر واحد.
النائب ياسين جابر وفي حديث لـ "لبنان 24" رأى أنّ أسوأ رسالة يمكن أن نرسلها إلى المؤتمرات الدولية هي عجزنا عن إقرار موازنة تتضمن إصلاحات حقيقية، ومن المؤسف أن نكون "مرَبحِين الدني جميلي" أنّنا أنجزنا موازنة العام 2017 بعد انقضاء السنة المالية. فعندما وصلنا لإقرارها في المجلس النيابي قيل لنا: آسفون لقد صرفنا الأموال ووعدت الحكومة في حينه الرأي العام أمام الإعلاميين في الجلسة التشريعية وأمام الشعب اللبناني، بنهاية المخالفة وبإرسال موازنة 2018 في موعدها، وبتضمينها كلّ الإصلاحات والتوصيات التي أصدرتها لجنة المال والموازنة، ولكن هذا الوعد لم يتحقق بعد إنقضاء أربعة أشهر على المهلة المحددة في الماة 83 لإرسال الموازنة في تشرين الأول، ونحن نتحضّر للذهاب إلى مؤتمر "باريس –"4 برزمة مطالب ومشاريع من دون أن نرسل أيّ إشارة بوجود نية لدينا للقيام بخطوات إصلاحية".
وعن ماهية الإصلاحات المتوجبة، قال جابر" فلنبدأ بأضعف الإيمان في قطاع الكهرباء الذي يشكل العبء الأكبر على الخزينة، مسبباً عجزاً بمئات المليارات يُتوقع أن يصل إلى ملياري دولار سنوياً، من خلال تطبيق قانون إعادة هيكلة القطاع، وتعيين مجلس إدارة لمؤسسة الكهرباء. فهل يعقل أنّ مؤسسة عامة مستقلة في ظل قانون يرعى عملها تبقى مستباحة من دون مجلس إدارة؟ وهل نعتقد أنّ العالم لا يرى ما نقترف من ارتكابات وهدر؟ برأيي شعار المرحلة من قبل المشاركين في المؤتمر الدولي سيكون "نحرص على استقرار لبنان ومستعدون لمساعدته،ولكن المطلوب من لبنان واللبنانيين أن يساعدوا أنفسهم لنتمكن من مساعدتهم".
رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان لا ينفك يطالب الحكومة بإرسال الموازنة لدرسها في لجنة المال النيابية، تمهيداً لمناقشتها وإقرارها في الهيئة العامة مترافقةً مع الإصلاحات المنتظرة محلياً ودولياً، وعبر "لبنان 24" قال كنعان: "أنادي بإقرار الموازنة منذ أكثر من شهرين، وكل يوم في لجنة المال وخارجها، والأمر برسم الحكومة لا سيّما وأنّها لم تبحث بعد في مشروع الموازنة، وهذا أمر مستغرب، ويجب الإسراع بإرسالها إلى المجلس".
حتى اليوم لا إشارات على قرب إقرار الموازنة لاسيّما وأن الحكومة أعادت العمل بآلية الصرف وفق القاعدة الإثني عشرية، كما أنّ قطع الحساب سيشكل عائقاً إضافياً يضاف إلى انصراف القوى السياسية للتحضير للإنتخابات النيابية، بما يجعل أيّ عمل آخر في المرتبة الثانية ولو تعلق بمالية الدولة وصورة لبنان في المحافل الدولية.