كان لافتًا بالأمس كلام الرئيس سعد الحريري، الذي تكلم في الذكرى الـ 13 لإغتيال الرئيس رفيق الحريري بصفتين، الأولى كرئيس لحكومة تضم جميع مكونات البلد بمن فيهم "حزب الله"، الذي لن يتحالف معه في الإنتخابات النيابية، ولنا عودة للحديث عن هذا التناقض، والثانية بصفته رئيس تيار "المستقبل"، الذي كان بحاجة إلى شحنة من المعنويات بعد الإنتكاسة التي مني بها الحريري شخصيًا على أثر إستقالته ومن ثم العودة عنها، وما تركته هذه الإنتكاسة من إنعكاسات سلبية على معنويات "التيار الأزرق" والمنضوين تحت سقفه.
وما لفت المراقبين في كلام الحريري، الذي مزج بين المواضيع الجدية، والتي تضمّنتها البنود الـ 11، وبين "التنكيت" الذي لم يكن مناسبًا في مثل هكذا حدث ومناسبة، أنه وللمرة الأولى يتحدث عن الإفلاس وعن المال السياسي الذي يُستخدم عادة في الإنتخابات، فمزج ما بين الألوان من دون أن يقصد، فكان "الأزرق" طاغيًا، وهو أمر طبيعي، وكذلك "الأخضر"، وهو اللون المتعارف عليه للدلالة على المال، من دون أن يكون "الأصفر" غائبًا على الأقل في الكلام السياسي، فيما كانت ألوان "ثورة الأرز" الغائبة الأكبر، وهم " الأشخاص الذين كانوا في عداد الأصدقاء، لكنهم ضلوا سبيل الصداقة الى دروب البحث عن أدوار في الداخل والخارج، وتسطير المواقف والتقارير ضد سعد الحريري وتيار المستقبل ".
وفيما بدت مواقفه الثانوية مثقلة بالهموم وقع الحريري في تناقض واضح حين تحدّث عن الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، إذ تطرق إلى أنه "عندنا بلد ودولة ومؤسسات وشرعية وحكومة ومعارضة وحرية وإعلام، في زمن تتساقط فيه دول ومؤسسات وشرعيات وحريات وجيوش ومعارضات"، في الوقت الذي أعرب فيه عن ضيق صدره لإستيعاب المعارضة فذهب إلى إتهام البعض بـ"انهم هم أصلا من يعملون فعليا عند "حزب الله"، من دون أن يسمي هذا البعض، وإن كان من هو المقصود من هذا الكلام معروفًا.
وما كان لافتًا في كلام الحريري أيضًا تشديده على عدم تحالف تيار "المستقبل" مع "حزب الله" إنتخابيًا، كردّ مباشر على الذين يتحدثون عن تحالف نيابي خماسي الأضلع. وفي ذلك وقع أيضًا في تناقض سياسي رأى فيه البعض محاولة لشدّ "العصب الأزرق"، الذي لم يهضم بعد تحالفه الحكومي مع "حزب الله" وجلوسه معه إلى طاولة واحدة.
وفي رأي هؤلاء أن من يشرب "البحر الحكومي" لن يغصّ بـ"الساقية الإنتخابية"، مع العلم أن تيار "المستقبل" قرر خوض غمار المعركة الإنتخابية جنبًا إلى جنب في تحالف إنتخابي وسياسي مع حليف خصمه المرتبطين بمشروع إستراتيجي واحد على نقيض مع مشروع "المستقبل".
إلاّ أن ما تضمّنته كلمته من ثوابت وصل عددها إلى الرقم 11، وعلى رغم أهميتها وما فيها من عناوين براقة وجذابة، تبقى مجرد عناوين و"كليشيهات" إن لم تقترن بمفاعيل تُترجم واقعًا لا يزال حتى هذه اللحظة مجرد حلم جميل يسقط عند الشروق ويتجدّد عند الغروب، في ما يشبه الدوامة اليومية، التي لا ينفك المواطنون التعبير عما يعانونه من مشاكل وصعوبات لن تخفف من وطأته الكلمات الرنانة والشعارات البعيدة عن الواقع بعد الأرض عن النجوم.