بغضّ النظر عن نجاح الرئيس سعد الحريري في إظهار وجه غير الوجه الرسمي الذي نعرفه أم لم ينجح، وبغض النظر عن أجوبته التي أعتبرها البعض صريحة وعفوية، أول ما لفتني في برنامج "دق الجرس" فكرة البرنامج المبتكرة والجديدة، وهذا ما نحتاج إليه في برامجنا التلفزيونية غير التقليدية والمقلدِّة للغير وغير المنسوخة عن برامج غربية، غالبًا ما تأتي مشوّهة وتنقصها الحرفية، فيبقى الحجل حجلًا في مشيته ويبقى الغراب غرابًا.
وبغضّ النظر عمّا إذا كانت الأسئلة التي طرحها أطفال "دقّ الجرس" محضّرة سلفًا من قبل معدّي البرنامج، لفتني وأعجبني طريقة طرح هؤلاء الأطفال هذه الأسئلة، التي جاءت وكأنها نابعة من شخصياتهم وبلهجاتهم المناطقية العفوية وعلى سجيتها، فكانت مذهلة بمضمونها وبأسلوبها، وهي جاءت معبّرة وصريحة وجريئة لم نتعتد أن نسمع مثلها حتى في مقابلات كبار الإعلاميين، الذين عادة يحسبون ألف حساب قبل طرح الأسئلة المحرجة والجريئة.
أما هؤلاء الأطفال فلا حسابات لديهم وهم طرحوا أسئلتهم الشخصية والسياسية بثقة الواثق، وأن ما أردوا أن يسمعوه هو غير ما يسمعونه عادة. سألوا اسئلة واضحة وفي العمق لكي يسمعوا أيضًا أجوبة واضحة وصريحة، وجهًا لوجه، من دون مكملات تجميلية أو إضافات لا تعكس الواقع ولا تروي غليلهم.
أسئلة لم نسمع مثلها من قبل، ولم نعتد على مثلها، وهي جاءت بعفويتها وبراءتها أكثر جراءة من أسئلة الكبار، حتى أن البعض منهم لم يكن ليكتفوا بجواب واحد بل أرادوا الإستزادة من خلال طرح أكثر من سؤال عن الموضوع نفسه لم يقنعهم الجواب الأول عنه.
وببراءة سأل من سأل الرئيس الحريري عن والدته وعن أخوته من غير والده، وعن شقيقه حسام الذي توفي بحادث سيارة، وعما إذا كانت السرعة هي سبب الحادث، وعن علاقته بوالده الشهيد، وعن طفولته وأصدقائه من غير السياسيين وعن سعر ربطة الخبز وعن سبب إستقالته والعودة عنها وعن سبب إعلانها من السعودية وليس من لبنان وعن تفضيله هويته السعودية على هويته اللبنانية، وعن زواجه وعلاقته بأولاده البعيدين عنه، وشغفه بـ"السلفي"، وعن أمور كثيرة لم تكن لتخطر ببال كثيرين.
أطفال اليوم، رجال الغد، أدهشتمونا. فكنتم أنتم المحور وكنتم انتم أبطال الشاشة. نجحتم في إعادة الأمل المفقود وأعدتم إلى الكبار ما يفتقدون إليه: صراحة وبراءة ووضوح وجراءة.