كثيرة هي الملفات و"الإنجازات" التي تدفع باتجاه إعادة انتاج الطبقة السياسية القائمة مجدداً من خلال الانتخابات النيابية المقبلة، بل والتمني عليها "التبليط" على صدور اللبنانيين لعقود مقبلة.
لا داعي لاستحضار أطماع العدو الإسرائيلي الغاشم في بلادنا وثرواتنا وبرنا وبحرنا، ولا إعلان التمسك بقيام الدولة السيدة المستقلة، ولا استذكار أهمية النهوض بالمجتمع والسعي لتلبية طموحات الناخبين وسائر اللبنانيين والعمل على نهوض الاقتصاد، ومحاربة الفساد (وليس الفاسدين) في البرامج الانتخابية.. كل ذلك "لزوم ما لا يلزم" وردّات زجل لا طائل خلفها. ثمة ما هو أهم وأكثر تعبيراً وبلاغة في توصيف الانجازات التي ينبغي أن تتحكم بخيارات الناخبين وميولهم.
في الأساس يقتضي الافتراض المنطقي أن العملية الانتخابية إنما وضعت لاتاحة المجال أمام المواطنين لاختيار من ينوب عنهم في اختيار السلطة التنفيذية، ومراقبة أدائها ومحاسبتها، وسن التشريعات والقوانين التي تصون المصالح الوطنية الكبرى وتواجه التحديات، وترعى الشأن العام من منزلقات الفساد والهدر والتخلف.
لكن في لبنان هناك معايير أخرى، فقبل الحديث عن المصالح الوطنية ومراقبة الأداء والمحاسبة، ثمة لائحة طويلة من الاعتبارات التي تتحكم بمزاج الناخب وميوله، ليس أقلها تبعية الزعامات، ولا أعلاها الولاءات المذهبية، وما بينهما من تعقيدات النظام الطوائفي المتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع، مانعاً من انتاج مواطنة كاملة الشروط والاعتبارات، وقبل كل ذلك وبعده قوانين انتخاب جرى تفصيلها على قياس اللاعبين الأساسيين بحيث يصعب بها ومعها ومن خلالها الحديث عن تغيير حقيقي أو إعادة انتاج السلطة.
ما علينا.. الفساد حوت كبير التهم كل شيء؛ الأموال العامة والهبات والمنح والقروض والصفقات والتلزيمات، وزرع الأزلام والمحسوبيات في الإدارات العامة، كذلك انتهاج سياسات اللعب على المذهبيات وتعطيل الحياة الحزبية وخنق المجتمع المدني بحيث بات النموذج القائم هو النموذج "المتاح" بوصفه ضامناً للمنطق الطوائفي.. هكذا صار الحديث عن التغيير ضرباً من المستحيل.
من دون الغوص في التاريخ، "انجازات" الحاضر القريب تكفي:
- الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها لبنان بسبب الفساد والهدر والفشل، في وقت يحاول البعض إخفاء الواقع الكارثي، والمضي في سياسات الاستدانة والاقتراض.
- ما يحكى عن فضيحة في استقدام بواخر الكهرباء، والفوارق المخيفة في الأرقام، ومن قبلها أزمة الكهرباء العصية على الحل في كل العهود والأوقات والحكومات.
- التدمير المخيف للبيئة من خلال الفشل المريع في حل أزمة النفايات، وتحويلها إلى مدخل مقونن للصفقات والأرباح.
- الاغتيال الممنهج للتعليم الرسمي من خلال عدم تطويره وتحويله عبئا على المالية العامة، والأخطر منعه من أن يكون ملاذا للمكتوين بنار المداس الخاصة.
- منع تعيين مئات الناجحين في وظائف عامة بحجج وأعذار لا تستقيم بقانون أو منطق، والإمعان في توسيع قاعدة العاطلين عن العمل أو الباحثين عن فرص للهجرة في أوساط الشباب.
أوضح صورة عن طريقة أداء السلطة مثال "طري" جداً. قبل يومين بوشر العمل بجسر جل الديب، وبدل أن يكون هذا العمل بوصفه إعادة تأهيل لطريق حيوي وهو أمر يحصل في كل بلاد العالم، تحول إلى كابوس حقيقي لمئات آلاف المواطنين من الشمال وجبل لبنان الشمالي الذين يتجرعون المآسي ويحرقون أعصابهم صباحاً للوصول إلى أشغالهم ومن ثم مساء عند العودة لمناطقهم.. وما يحصل على أوتستراد جل الديب يحصل مثله كثير لغياب الرؤية وافتقاد السياسات.
لكل من يحلم بوطن، بالأمن والاستقرار، بمجانية التعليم والطبابة والنقل العام وكهرباء ومياه وبيئة وسكن وضمان شيخوخة، ومواطنة تحترم فيه الإنسان وليس أي وصف زائد، عندما تريد أن تنتخب اسأل نفسك عن الأسباب التي تدفعك لإعادة الوجوه نفسها أو البحث عن بدائل.